سورة البقرة
يعني جل ثناؤه بقوله: ولله المشرق والمغرب لله ملكهما وتدبيرهما، كما يقال: لفلان هذه الدار، يعني بها أنها له ملكا، فذلك قوله: ولله المشرق والمغرب يعني أنهما له ملكا وخلقا. والمشرق: هو موضع شروق الشمس، وهو موضع طلوعها، كما يقال لموضع طلوعها منه
كَمَا حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ , قَالَ مُجَاهِدٌ: \" لَمَّا نَزَلَتِ: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] قَالُوا: إِلَى أَيْنَ؟ فَنَزَلَتْ: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115] \"" فَإِذَا كَانَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115] مُحْتَمِلًا مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَوْجُهِ، لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ أَنْ يَزْعُمَ أَنَّهَا نَاسِخَةٌ أَوْ مَنْسُوخَةٌ إِلَّا بِحَجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا؛ لِأَنَّ [ص: 458] النَّاسِخَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِمَنْسُوخٍ، وَلَمْ تَقُمُّ حُجَّةٌ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا بِأَنَّ قَوْلَهُ: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115] مَعْنِيٌّ بِهِ: فَأَيْنَمَا تُوَجِّهُوا وجُوهَكُمْ فِي صَلَاتِكُمْ فَثَمَّ قِبْلَتُكُمْ. وَلَا أَنَّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَمْرًا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ بِهَا أَنْ يَتَوَجَّهُوا نَحْوَ الْكَعْبَةِ، فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: هِيَ نَاسِخَةٌ الصَّلَاةَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ؛ إِذْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَئِمَّةِ التَّابِعِينَ مَنْ يُنْكِرُ أَنْ تَكُونَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى. وَلَا خَبَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَابِتٌ بِأَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ، وَكَانَ الِاخْتِلَافُ فِي أَمْرِهَا مَوْجُودًا عَلَى مَا وَصَفْتُ. وَلَا هِيَ إِذْ لَمْ تَكُنْ نَاسِخَةً لِمَا وَصَفْنَا قَامَتْ حُجَّتُهَا بِأَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ، إِذْ كَانَتْ مُحْتَمِلَةً مَا وَصَفْنَا بِأَنْ تَكُونَ جَاءَتْ بِعُمُومٍ، وَمَعْنَاهَا: فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ إِنْ كَانَ عُنِيَ بِهَا التَّوَجُّهُ فِي الصَّلَاةِ، وَفِي كُلِّ حَالٍ إِنْ كَانَ عُنِيَ بِهَا الدُّعَاءُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي ذَكَرْنَا. وَقَدْ دَلَّلْنَا فِي كِتَابِنَا: «كِتَابِ الْبَيَانِ عَنْ أُصُولِ الْأَحْكَامِ» ، عَلَى أَنْ لَا نَاسِخَ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ وَأَخْبَارِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا مَا نَفَى حُكْمًا ثَابِتًا، وَأُلْزِمَ الْعِبَادُ فَرْضَهُ غَيْرَ مُحْتَمِلٍ بِظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ غَيْرَ ذَلِكَ. فَأَمَّا إِذَا مَا احْتَمَلَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ أَوِ الْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ، أَوِ الْمُجْمَلِ، أَوِ الْمُفَسَّرِ، فَمِنَ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ بِمَعْزِلٍ، بِمَا أَغْنَى عَنْ تَكْرِيرِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ. وَلَا مَنْسُوخَ إِلَّا الْمَنْفِيَّ الَّذِي كَانَ قَدْ ثَبَتَ حُكْمُهُ وَفَرْضُهُ، وَلَمْ يَصِحَّ وَاحِدٌ مِنْ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ لِقَوْلِهِ: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115] بِحَجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا، فَيُقَالَ فِيهِ: هُوَ نَاسِخٌ أَوْ مَنْسُوخٌ"