سورة النحل
وقوله: وأنهم مفرطون يقول تعالى ذكره: وأنهم مخلفون متروكون في النار، منسيون فيها. واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال أكثرهم بنحو ما قلنا في ذلك
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا بَدَلَ، قَالَ: ثنا عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ دَاوُدَ بْنَ أَبِي هِنْدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: {وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ} [النحل: 62] قَالَ: «مَنْسِيُّونَ فِي النَّارِ» . وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ مُعَجَّلُونَ إِلَى النَّارِ مُقَدَّمُونَ إِلَيْهَا وَذَهَبُوا فِي ذَلِكَ إِلَى قَوْلِ الْعَرَبِ: أَفْرَطْنَا فُلَانًا فِي طَلَبِ الْمَاءِ، إِذَا قَدَّمُوهُ لِإِصْلَاحِ الدِّلَاءِ وَالْأَرْشِيَةِ وَتَسْوِيَةِ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ عِنْدَ وُرُودِهِمْ عَلَيْهِ، فَهُوَ مُفْرِطٌ، فَأَمَّا الْمُتَقَدِّمُ نَفْسُهُ فَهُوَ فَارِطٌ، يُقَالُ: قَدْ فَرَطَ فُلَانٌ أَصْحَابَهُ يَفْرُطُهُمْ فُرْطًا وَفُرُوطًا: إِذَا تَقَدَّمَهُمْ وَجَمْعُ فَارِطٍ فُرَّاطٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْقَطَامِيِّ:
[البحر البسيط]
وَاسْتَعْجَلُونَا وَكَانُوا مِنْ صَحَابَتِنَا ... كَمَا تَعَجَّلَ فُرَّاطٌ لِوُرَّادِ
وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أنا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ» : أَيْ مُتَقَدِّمُكُمْ إِلَيْهِ وَسَابِقُكُمْ «حَتَّى تَرِدُوهُ»"