سورة البقرة
القول في تأويل قوله تعالى: كل له قانتون اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: مطيعون
وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ: \" قَوْلَهُ: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} [البقرة: 116] قَالَ: كُلٌّ لَهُ قَائِمٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ \"" وَالْقُنُوتُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مُعَانٍ: أَحَدُهَا الطَّاعَةُ، وَالْآخَرُ الْقِيَامُ، وَالثَّالِثُ الْكَفُّ عَنِ الْكَلَامِ وَالْإِمْسَاكُ عَنْهُ. وَأَوْلَى مَعَانِي الْقُنُوتِ فِي قَوْلِهِ: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} [البقرة: 116] الطَّاعَةُ وَالْإِقْرَارُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالْعُبُودِيَّةِ بِشَهَادَةِ أَجْسَامِهِمْ بِمَا فِيهَا مِنْ آثَارِ الصَّنْعَةِ، وَالدَّلَالَةِ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ بَارِئُهَا وَخَالِقُهَا. وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَكْذَبَ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ لِلَّهِ وَلَدًا بِقَوْلِهِ: بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ مُلْكًا وَخَلْقًا. ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ جَمِيعِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّهَا مُقِرَّةٌ بِدَلَالَتِهَا عَلَى رَبِّهَا وَخَالِقِهَا، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَارِئُهَا وَصَانِعُهَا. وَإِنْ جَحَدَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ فَأَلْسِنَتُهُمْ مُذْعِنَةٌ لَهُ بِالطَّاعَةِ بِشَهَادَتِهَا لَهُ بِآثَارِ الصَّنْعَةِ الَّتِي فِيهَا بِذَلِكَ، وَأَنَّ الْمَسِيحَ أَحَدُهُمْ، فَأَنَّى يَكُونُ لِلَّهِ وَلَدًا وَهَذِهِ صِفَتُهُ؟ [ص: 464] وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ مَنْ قَصُرَتْ مَعْرِفَتُهُ عَنْ تَوْجِيهِ الْكَلَامِ وِجْهَتَهُ أَنَّ قَوْلَهُ: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} [البقرة: 116] خَاصَّةٌ لِأَهْلِ الطَّاعَةِ وَلَيْسَتْ بِعَامَّةٍ. وَغَيْرُ جَائِزٍ ادِّعَاءُ خُصُوصٍ فِي آيَةٍ عَامٌّ ظَاهِرُهَا إِلَّا بِحَجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا لِمَا قَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِنَا: «كِتَابِ الْبَيَانِ عَنْ أُصُولِ الْأَحْكَامِ» وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ عَنْ أَنَّ الْمَسِيحَ الَّذِي زَعَمَتِ النَّصَارَى أَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ مُكَذِّبُهُمْ هُوَ وَالسَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَا فِيهَا، إِمَّا بِاللِّسَانِ، وَإِمَّا بِالدَّلَالَةِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَخْبَرَ عَنْ جَمِيعِهِمْ بِطَاعَتِهِمْ إِيَّاهُ وَإِقْرَارِهِمْ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ عُقَيْبَ قَوْلِهِ: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} [البقرة: 116] فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا"