الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً، وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ، وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 93] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ لَلَطَفَ بِكُمْ بِتَوْفِيَةٍ مِنْ عِنْدِهِ، فَصِرْتُمْ جَمِيعًا جَمَاعَةً وَاحِدَةً وَأَهْلَ مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ لَا تَخْتَلِفُونَ وَلَا تَفْتَرِقُونَ، وَلَكِنَّهُ
[ص: 348] تَعَالَى ذِكْرُهُ خَالَفَ بَيْنَكُمْ فَجَعَلَكُمْ أَهْلَ مِلَلٍ شَتَّى، بِأَنْ وَفَّقَ هَؤُلَاءِ لِلْإِيمَانِ بِهِ وَالْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ فَكَانُوا مُؤْمِنِينَ، وَخَذَلَ هَؤُلَاءِ فَحَرَمَهُمْ تَوْفِيقَهُ فَكَانُوا كَافِرِينَ، وَلَيْسَأَلَنَّكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فِي الدُّنْيَا فِيمَا أَمَرَكُمْ وَنَهَاكُمْ، ثُمَّ لَيُجَازِيَنَّكُمْ جَزَاءَ الْمُطِيعِ مِنْكُمْ بِطَاعَتِهِ، وَالْعَاصِي لَهُ بِمَعْصِيَتِهِ"