سورة الإسراء
القول في تأويل قوله تعالى: وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا فإذا جاء وعد أولهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا وقد بينا فيما مضى قبل أن معنى القضاء: الفراغ من الشيء، ثم
زَكَرِيَّا، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَلِكَ النَّبَطِ، وَكَانَ يُدْعَى صَحَابِينَ فَبَعَثَ الْجُنُودَ، وَكَانَ أَسَاوِرَتُهُ مِنْ أَهْلِ فَارِسَ، فَهُمْ أُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ، فَتَحَصَنَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ، وَخَرَجَ فِيهِمْ بُخْتَنَصَّرَ يَتِيمًا مِسْكِينًا، إِنَّمَا خَرَجَ يَسْتَطْعِمُ، وَتَلَطَّفَ حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ فَأَتَى مَجَالِسَهُمْ، فَسَمِعَهُمْ يَقُولُونَ: لَوْ يَعْلَمُ عَدُوُّنَا مَا قُذِفَ فِي قُلُوبِنَا مِنَ الرُّعْبِ بِذُنُوبِنَا مَا أَرَادُوا قِتَالَنَا، فَخَرَجَ بُخْتَنَصَّرَ حِينَ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَاشْتَدَّ الْقِيَامُ عَلَى الْجَيْشِ، فَرَجَعُوا، وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أَوْلَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا} [الإسراء: 5] ثُمَّ إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَجَهَّزُوا، فَغَزَوُا النَّبَطَ، فَأَصَابُوا مِنْهُمْ وَاسْتَنْقَذُوا مَا فِي أَيْدِيهِمْ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا} [الإسراء: 6] يَقُولُ: عَدَدًا