سورة الإسراء
القول في تأويل قوله تعالى: وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا اختلف أهل التأويل في المعني بقوله وآت ذا القربى فقال بعضهم: عنى به: قرابة الميت من قبل أبيه وأمه، أمر الله جل
عَلَى قَطْعِ سَفَرِهِ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّمَا عَنَى بِالْأَمْرِ بِإِتْيَانِ ابْنِ السَّبِيلِ حَقَّهُ أَنْ يُضَافَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ عِنْدِي أَوْلَى بِالصَّوَابِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُخَصِّصْ مِنْ حُقُوقِهِ شَيْئًا دُونَ شَيْءٍ فِي كِتَابِهِ، وَلَا عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ، فَذَلِكَ عَامٌ فِي كُلِّ حَقٍّ لَهُ أَنْ يُعْطَاهُ مِنْ ضِيَافَةٍ أَوْ حَمُولَةٍ أَوْ مَعُونَةٍ عَلَى سَفَرِهِ. وَقَوْلُهُ {وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا} [الإسراء: 26] يَقُولُ: وَلَا تُفَرِّقْ يَا مُحَمَّدُ مَا أَعْطَاكَ اللَّهُ مِنْ مَالٍ فِي مَعْصِيَتِهِ تَفْرِيقًا. وَأَصْلُ التَّبْذِيرِ: التَّفْرِيقُ فِي السَّرَفِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر الطويل]
أُنَاسٌ أَجَارُونَا فَكَانَ جِوَارُهُمْ ... أَعَاصِيرَ مِنْ فِسْقِ الْعِرَاقِ الْمُبَذَّرِ
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ"