سورة الإسراء
القول في تأويل قوله تعالى: وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا اختلف أهل التأويل في الفتنة التي كاد المشركون أن يفتنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بها عن الذي أوحى الله إليه إلى غيره، فقال بعضهم: ذلك الإلمام
لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا} [الإسراء: 73] وَذَلِكَ أَنَّ ثَقِيفًا كَانُوا قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجِّلْنَا سَنَةً حَتَّى يُهْدَى لِآلِهَتِنَا، فَإِذَا قَبَضْنَا الَّذِي يُهْدَى لِآلِهَتِنَا أَخَذْنَاهُ، ثُمَّ أَسْلَمْنَا وَكَسَرْنَا الْآلِهَةَ، فَهَمَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعْطِيَهُمْ، وَأَنْ يُؤَجِّلَهُمْ، فَقَالَ اللَّهُ: {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكُنَ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا} [الإسراء: 74] وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ عَنْ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَادُوا أَنْ يَفْتِنُوهُ عَمَّا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيْهِ لِيَعْمَلَ بِغَيْرِهِ، وَذَلِكَ هُوَ الِافْتِرَاءُ عَلَى اللَّهِ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَانَ مَا ذُكِرَ عَنْهُمْ مِنْ ذِكْرِ أَنَّهُمْ دَعَوْهُ أَنْ يَمَسَّ آلِهَتَهُمْ وَيُلِمَّ بِهَا، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ كَانَ ذَلِكَ مَا ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ أَمْرِ ثَقِيفٍ، وَمَسْأَلَتِهِمْ إِيَّاهُ مَا سَأَلُوهُ مِمَّا ذَكَرْنَا، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَلَا بَيَانَ فِي الْكِتَابِ وَلَا فِي خَبَرٍ يَقْطَعُ الْعُذْرَ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ، وَالِاخْتِلَافُ فِيهِ مَوْجُودٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، فَلَا شَيْءَ فِيهِ أَصَوْبُ مِنَ الْإِيمَانِ بِظَاهِرِهِ، حَتَّى يَأْتِيَ خَبَرٌ يَجُبُّ التَّسْلِيمَ لَهُ بِبَيَانِ مَا عَنَى بِذَلِكَ مِنْهُ