سورة الكهف
وقوله: ففسق عن أمر ربه يقول: فخرج عن أمر ربه، وعدل عنه ومال، كما قال رؤبة: يهوين في نجد وغورا غائرا فواسقا عن قصدها جوائرا يعني بالفواسق: الإبل المنعدلة عن قصد نجد، وكذلك الفسق في الدين إنما هو الانعدال عن القصد، والميل عن الاستقامة. ويحكى عن
يَهْوِينَ فِي نَجْدٍ وَغَوْرًا غَائِرَا ... فَوَاسِقًا عَنْ قَصْدِهَا جَوَائِرَا
يَعْنِي بِالْفَوَاسِقِ: الْإِبِلَ الْمُنْعَدِلَةَ عَنْ قَصْدِ نَجْدٍ، وَكَذَلِكَ الْفِسْقُ فِي الدِّينِ إِنَّمَا هُوَ الِانْعِدَالُ عَنِ الْقَصْدِ، وَالْمَيْلُ عَنِ الِاسْتِقَامَةِ. وَيُحْكَى عَنِ الْعَرَبِ سَمَاعًا: فَسَقَتِ الرَّطْبَةُ مِنْ قِشْرِهَا: إِذَا خَرَجَتْ مِنْهُ، وَفَسَقَتِ الْفَأْرَةُ: إِذَا خَرَجَتْ مِنْ جُحْرِهَا. وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَقُولُ: إِنَّمَا قِيلَ: {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف: 50] لِأَنَّهُ مُرَادٌ بِهِ: فَفَسَقَ عَنْ رَدِّهِ أَمْرَ اللَّهِ، كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: أُتْخِمْتُ عَنِ الطَّعَامِ، بِمَعْنَى: أُتْخِمْتُ لَمَّا أَكَلْتُهُ. وَقَدْ بَيَّنَّا الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّ مَعْنَاهُ: عَدَلَ وَجَارَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ، وَخَرَجَ عَنْهُ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ: مَعْنَى الْفِسْقِ: الِاتِّسَاعُ. وَزَعَمَ أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: فِسْقٌ فِي النَّفَقَةِ: بِمَعْنَى اتَّسَعَ فِيهَا. قَالَ: وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْفَاسِقُ فَاسِقًا، لِاتِّسَاعِهِ فِي مَحَارِمِ اللَّهِ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ"