سورة طه
القول في تأويل قوله تعالى: إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى يقول تعالى ذكره: إن الساعة التي يبعث الله فيها الخلائق من قبورهم لموقف القيامة جائية أكاد أخفيها فعلى ضم الألف من أخفيها قراءة
وَإِنْ أَتَاكَ نَعِيٌّ فَانْدُبَنَّ أَبًا ... قَدْ كَادَ يَضْطَلِعُ الْأَعْدَاءَ وَالْخُطَبَا
وَقَالَ: يَكُونُ الْمَعْنَى: قَدِ اضْطَلَعَ الْأَعْدَاءَ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ مَدْحًا إِذَا أَرَادَ كَادَ وَلَمْ يُرِدْ يَفْعَلُ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ، قَالَ: وَانْتَهَى الْخَبَرُ عِنْدَ قَوْلِهِ أَكَادُ لِأَنَّ مَعْنَاهُ: أَكَادُ أَنْ آتِيَ بِهَا، قَالَ: ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: وَلَكِنِّي أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى. قَالَ: وَذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِ ابْنِ ضَابِئٍ:
[البحر الطويل]
هَمَمْتُ وَلَمْ أَفْعَلْ وَكِدْتُ وَلَيْتَنِي ... تَرَكْتُ عَلَى عُثْمَانَ تَبْكِي أَقَارِبُهُ
فَقَالَ: كِدْتُ، وَمَعْنَاهُ: كِدْتُ أَفْعَلُ. وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى {أُخْفِيهَا} [طه: 15] أُظْهِرُهَا، وَقَالُوا: الْإِخْفَاءُ وَالْإِسْرَارُ قَدْ تُوَجِّهُهُمَا الْعَرَبُ إِلَى مَعْنَى الْإِظْهَارِ، وَاسْتَشْهَدَ بَعْضُهُمْ لِقِيلِهِ ذَلِكَ بِبَيْتِ الْفَرَزْدَقِ:
[البحر الطويل]
فَلَمَّا رَأَى الْحَجَّاجَ جَرَّدَ سَيْفَهُ ... أَسَرَّ الْحَرُورِيُّ الَّذِي كَانَ أَضْمَرَا
وَقَالَ: عَنَى بِقَوْلِهِ: أَسَرَّ: أَظْهَرَ. قَالَ: وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ} [يونس: 54] وَأَظْهَرُوهَا. قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: {يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا} [الأنعام: 27] وَقَالَ جَمِيعُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ حَكَيْنَا قَوْلَهُمْ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى"