سورة الأنبياء
القول في تأويل قوله تعالى: وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون يقول تعالى ذكره: وعلمنا داود صنعة لبوس لكم، واللبوس عند العرب: السلاح كله، درعا كان , أو جوشنا , أو سيفا , أو رمحا، يدل على ذلك قول الهذلي: ومعي لبوس للبيس كأنه روق
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ} [الأنبياء: 80] قَالَ: «كَانَتْ صَفَائِحَ، فَأَوَّلُ مَنْ سَرَدَهَا وَحَلَّقَهَا دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ» [ص: 330] وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: {لِتُحْصِنَكُمْ} [الأنبياء: 80] فَقَرَأَ ذَلِكَ أَكْثَرُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ: (لِيُحْصِنَكُمْ) بِالْيَاءِ، بِمَعْنَى: لِيُحْصِنَكُمُ اللَّبُوسُ مِنْ بَأْسِكُمْ، ذَكَّرُوهُ لِتَذْكِيرِ اللَّبُوسِ. وَقَرَأَ ذَلِكَ أَبُو جَعْفَرٍ يَزِيدُ بْنُ الْقَعْقَاعِ: { «لِتُحْصِنَكُمْ» } [الأنبياء: 80] بِالتَّاءِ، بِمَعْنَى: لِتُحْصِنَكُمُ الصَّنْعَةُ، فَأَنَّثَ لِتَأْنِيثِ الصَّنْعَةِ. وَقَرَأَ شَيْبَةُ بْنُ نَصَّاحٍ , وَعَاصِمُ بْنُ أَبِي النَّجُودِ: (لِنُحْصِنَكُمْ) بِالنُّونِ، بِمَعْنَى: لِنُحْصِنَكُمْ نَحْنُ مِنْ بَأْسِكُمْ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْقِرَاءَاتِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدِي قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ بِالْيَاءِ، لِأَنَّهَا الْقِرَاءَةُ الَّتِي عَلَيْهَا الْحُجَّةُ مِنْ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ، وَإِنْ كَانَتِ الْقِرَاءَاتُ الثَّلَاثُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا مُتَقَارِبَاتِ الْمَعَانِي , وَذَلِكَ أَنَّ الصَّنْعَةَ هِيَ اللَّبُوسُ، وَاللَّبُوسُ هِيَ الصَّنْعَةُ، وَاللَّهُ هُوَ الْمُحْصِنُ بِهِ مِنَ الْبَأْسِ، وَهُوَ الْمُحْصِنُ بِتَصْيِيرِ اللَّهِ إِيَّاهُ كَذَلِكَ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: (لِيُحْصِنَكُمْ) لِيُحْرِزَكُمْ، وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِ: قَدْ أَحْصَنَ فُلَانٌ جَارِيَتَهُ. وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى ذَلِكَ بِشَوَاهِدهِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ، وَالْبَأْسُ: الْقِتَالُ، وَعَلَّمَنَا دَاوُدَ صَنْعَةَ سِلَاحٍ لَكُمْ لِيُحْرِزَكُمْ إِذَا لَبِسْتُمُوهُ وَلَقِيتُمْ فِيهِ أَعْدَاءَكُمْ مِنَ الْقَتْلِ"