سورة الأنبياء
القول في تأويل قوله تعالى: وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون اختلفت القراء في قراءة قوله: وحرام فقرأته عامة قراء أهل الكوفة: (وحرم) بكسر الحاء، وقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة والبصرة: وحرام بفتح الحاء والألف. والصواب من القول في ذلك أنهما
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى بْنُ فَرْقَدٍ، قَالَ: ثنا جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ، قَالَ: \" سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ عَنِ الرَّجْعَةِ، فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} [الأنبياء: 95] \"" فَكَأَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ وَجَّهَ تَأْوِيلَ ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ: وَحَرَامٌ عَلَى أَهْلِ قَرْيَةٍ أَمَتْنَاهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا إِلَى الدُّنْيَا. وَالْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ عِكْرِمَةُ فِي ذَلِكَ أَوْلَى عِنْدِي بِالصَّوَابِ , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ عَنْ تَفْرِيقِ النَّاسِ دِينَهُمُ الَّذِي بَعَثَ بِهِ إِلَيْهِمُ الرُّسُلَ، ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ صَنِيعِهِ بِمَنْ عَمِلَ بِمَا دَعَتْهُ إِلَيْهِ رُسُلُهُ مِنَ الْإِيمَانِ بِهِ , وَالْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ، ثُمَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} [الأنبياء: 95] فَلَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَبَرًا عَنْ صَنِيعِهِ بِمَنْ أَبَى إِجَابَةَ رُسُلِهِ , وَعَمِلَ بِمَعْصِيَتِهِ , وَكَفَرَ بِهِ، أَحْرَى، لِيَكُونَ بَيَانًا عَنْ حَالِ الْقَرْيَةِ الْأُخْرَى الَّتِي لَمْ تَعْمَلِ الصَّالِحَاتِ , وَكَفَرَتْ بِهِ. فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: حَرَامٌ عَلَى أَهْلِ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهُمْ بِطَبْعِنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ , وَخَتْمِنَا عَلَى أَسْمَاعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ، إِذْ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِنَا ,"