سورة المؤمنون
وقوله: إني جزيتهم اليوم بما صبروا يقول تعالى ذكره: إني أيها المشركون بالله المخلدون في النار، جزيت الذين اتخذتموهم في الدنيا سخريا من أهل الإيمان بي، وكنتم منهم تضحكون اليوم بما صبروا على ما كانوا يلقون بينكم من أذى سخريتكم وضحككم منهم في الدنيا.
وَقَالُوا: ذَلِكَ ابْتِدَاءٌ مِنَ اللَّهِ مَدْحَهُمْ. وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ بِكَسْرِ الْأَلِفِ، لِأَنَّ قَوْلُهُ: {جَزَيْتُهُمْ} [المؤمنون: 111] قَدْ عَمِلَ فِي الْهَاءِ وَالْمِيمِ، وَالْجَزَاءُ إِنَّمَا يَعْمَلُ فِي مَنْصُوبَيْنِ، وَإِذَا عَمِلَ فِي الْهَاءِ وَالْمِيمِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْعَمَلُ فِي «أَنَّ» فَيَصِيرَ عَامِلًا فِي ثَلَاثَةٍ , إِلَّا أَنْ يُنْوَى بِهِ التَّكْرِيرُ، فَيَكُونُ نَصْبُ «أَنَّ» حِينَئِذٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ لَا بِقَوْلِهِ: {جَزَيْتُهُمْ} [المؤمنون: 111] ، وَإِنْ هِيَ نُصِبَتْ بِإِضْمَارِ لَامٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَيْضًا كَبِيرُ مَعْنًى؛ لِأَنَّ جَزَاءَ اللَّهِ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْجَنَّةِ، إِنَّمَا هُوَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ صَالِحِ أَعْمَالِهِمْ فِي الدُّنْيَا , وَجَزَاؤُهُ إِيَّاهُمْ وَذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ هُوَ الْفَوْزُ، فَلَا مَعْنَى لِأَنْ يَشْرُطَ لَهُمُ الْفَوْزَ بِالْأَعْمَالِ , ثُمَّ يُخْبِرَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا فَازُوا لِأَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ، فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذْ كَانَ الصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ مَا ذَكَرْنَا: إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ الْجَنَّةَ بِمَا صَبَرُوا فِي الدُّنْيَا عَلَى أَذَاكُمْ بِهَا، فِي أَنَّهُمُ الْيَوْمَ هُمُ الْفَائِزُونَ بِالنَّعِيمِ الدَّائِمِ وَالْكَرَامَةِ الْبَاقِيَةِ أَبَدًا، بِمَا عَمِلُوا مِنْ صَالِحَاتِ الْأَعْمَالِ فِي الدُّنْيَا , وَلَقُوا فِي طَلَبِ رِضَايَ مِنَ الْمَكَارِهِ فِيهَا