سورة النمل
وقوله: يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم يقول تعالى ذكره: فناداه ربه: يا موسى لا تخف من هذه الحية، إني لا يخاف لدي المرسلون: يقول: إني لا يخاف عندي رسلي وأنبيائي الذين أختصهم بالنبوة، إلا من ظلم منهم، فعمل بغير الذي أذن له في
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا وَجْهُ قِيلِهِ إِنْ كَانَ قَوْلُهُ {إِلَّا مِنْ ظَلَمَ} [النساء: 148] اسْتِثْنَاءً صَحِيحًا، وَخَارِجًا مِنْ عِدَادِ مَنْ لَا يَخَافُ لَدَيْهِ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، وَكَيْفَ يَكُونُ خَائِفًا مَنْ كَانَ قَدْ وُعِدَ الْغُفْرَانَ وَالرَّحْمَةَ؟ قِيلَ: إِنَّ قَوْلَهُ: {ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ} [النمل: 11] كَلَامٌ آخَرُ بَعْدَ الْأَوَّلِ، وَقَدْ تَنَاهَى الْخَبَرُ عَنِ الرُّسُلِ مَنْ ظَلَمَ مِنْهُمْ، وَمَنْ لَمْ يَظْلِمْ عِنْدَ قَوْلِهِ {إِلَّا مَنْ ظَلَمَ} [النساء: 148] ثُمَّ ابْتَدَأَ الْخَبَرَ عَمَّنْ ظَلَمَ مِنَ الرُّسُلِ وَسَائِرِ النَّاسِ غَيْرِهِمْ. وَقِيلَ: فَمَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي لَهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَعَلَامَ تَعْطِفُ إِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا قُلْتَ بِثُمَّ إِنْ لَمْ يَكُنْ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: {ظَلَمَ} [النمل: 11] قِيلَ: عَلَى مَتْرُوكٍ اسْتَغْنَى بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ {ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ} [النمل: 11] عَلَيْهِ عَنْ إِظْهَارِهِ، إِذْ كَانَ قَدْ جَرَى قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ الْكَلَامِ نَظِيرُهُ، وَهُوَ: فَمَنْ ظَلَمَ مِنَ الْخَلْقِ. وَأَمَّا الَّذِينَ ذَكَرْنَا قَوْلَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، فَقَدْ قَالُوا عَلَى مَذْهِبِ الْعَرَبِيَّةِ، غَيْرَ أَنَّهُمْ أَغْفَلُوا مَعْنَى الْكَلِمَةِ وَحَمَلُوهَا عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا مِنَ التَّأْوِيلِ. وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ الْكَلَامُ عَلَى وَجْهِهِ مِنَ التَّأْوِيلَ، وَيَلْتَمِسُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ لِلْإِعْرَابِ فِي الصِّحَّةِ مَخْرَجٌ، لَا عَلَى إِحَالَةِ الْكَلِمَةِ عَنْ مَعْنَاهَا وَوَجْهِهَا الصَّحِيحِ مِنَ التَّأْوِيلِ.