سورة القصص
القول في تأويل قوله تعالى: وأصبح فؤاد أم موسى فارغا، إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين اختلف أهل التأويل في المعنى الذي عنى الله أنه أصبح منه فؤاد أم موسى فارغا، فقال بعضهم: الذي عنى جل ثناؤه أنه أصبح منه فؤاد أم موسى فارغا:
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، قَالَ: قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: «قَدْ كَانَتْ أُمُّ مُوسَى تَرْفَعُ لَهُ حِينَ قَذَفَتْهُ فِي الْبَحْرِ، هَلْ تَسْمَعُ لَهُ بِذِكْرٍ، حَتَّى أَتَاهَا الْخَبَرُ بِأَنَّ فِرْعَوْنَ أَصَابَ الْغَدَاةَ صَبِيًّا فِي النِّيلِ فِي التَّابُوتِ، فَعَرَفَتِ الصِّفَةَ، وَرَأَتْ أَنَّهُ وَقَعَ فِي يَدَيْ عَدُوِّهِ الَّذِي فَرَّتْ بِهِ مِنْهُ، وَأَصْبَحَ فُؤَادُهَا فَارِغًا مِنْ عَهْدِ اللَّهِ إِلَيْهَا فِيهِ قَدْ أَنْسَاهَا عَظِيمُ الْبَلَاءِ مَا كَانَ مِنَ الْعَهْدِ عِنْدَهَا مِنَ اللَّهِ فِيهِ» . وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ: مَعْنَى ذَلِكَ: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى [ص: 170] فَارِغًا} [القصص: 10] مِنَ الْحُزْنِ، لِعِلْمِهَا بِأَنَّهُ لَمْ يَغْرَقْ. قَالَ: وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ: دَمٌ فَرَغَ: أَيْ لَا قَوَدَ وَلَا دِيَةَ؛ وَهَذَا قَوْلٌ لَا مَعْنًى لَهُ لِخِلَافِهِ قَوْلَ جَمِيعِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدِي قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا} [القصص: 10] مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ هَمِّ مُوسَى. وَإِنَّمَا قُلْنَا: ذَلِكَ أَوْلَى الْأَقْوَالِ فِيهِ بِالصَّوَابِ لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ: {إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا} [القصص: 10] وَلَوْ كَانَ عَنَى بِذَلِكَ: فَرَاغَ قَلْبِهَا مِنَ الْوَحْيِ لَمْ يُعَقِّبْ بِقَوْلِهِ: {إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ} [القصص: 10] لِأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ قَارَبَتْ أَنْ تُبْدِيَ الْوَحْيَ، فَلَمْ تَكَدْ أَنْ تُبْدِيَهُ إِلَّا لِكَثْرَةِ ذِكْرِهَا إِيَّاهُ، وَوُلُوعِهَا بِهِ. وَمُحَالٌ أَنْ تَكُونَ بِهِ وَلِعَةٌ إِلَّا وَهِيَ ذَاكِرَةٌ. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ بَطَلَ الْقَوْلُ بِأَنَّهَا كَانَتْ فَارِغَةَ الْقَلْبِ مِمَّا أُوحِيَ إِلَيْهَا. وَأُخْرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ عَنْهَا أَنَّهَا أَصْبَحَتْ فَارِغَةَ الْقَلْبِ، وَلَمْ يُخَصِّصْ فَرَاغَ قَلْبِهَا مِنْ شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ، فَذَلِكَ عَلَى الْعُمُومِ إِلَّا مَا قَامَتْ حُجَّتُهُ أَنَّ قَلْبَهَا لَمْ يَفْرُغْ مِنْهُ. وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهُ: «وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَازِعًا» مِنَ الْفَزَعِ."