سورة البقرة
القول في تأويل قوله تعالى: والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون يعني تعالى ذكره بقوله والسحاب المسخر وفي السحاب جمع سحابة، يدل على ذلك قوله تعالى ذكره: وينشئ السحاب الثقال فوحد المسخر وذكره كما قال: هذه تمرة، وهذا تمر كثير في جمعه،
وَالنَّهَارِ فِي الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ} [البقرة: 164] وَأَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْغَيْثَ مِنَ السَّمَاءِ، فَأَخْصَبَ بِهِ جَنَابَكُمْ بَعْدَ جُدُوبِهِ، وَأَمْرَعَهُ بَعْدَ دُثُورِهِ، فَنَعَشَكُمْ بِهِ بَعْدَ قُنُوطِكُمْ، وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} [البقرة: 164] وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ فِيهَا لَكُمْ مَطَاعِمُ وَمَآكِلُ، وَمِنْهَا جَمَالٌ وَمَرَاكِبٌ، وَمِنْهَا أَثَاثٌ وَمَلَابِسٌ، وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ} [البقرة: 164] وَأَرْسَلَ لَكُمُ الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ لِأَشْجَارِ ثِمَارِكُمْ وَغِذَائِكُمْ وَأَقْوَاتِكُمْ وَسَيَّرَ لَكُمُ السَّحَابَ الَّذِي بِوَدْقِهِ حَيَاتُكُمْ وَحَيَاةُ نَعَمِكُمْ وَمَوَاشِيكُمْ؛ وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [البقرة: 164] فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ إِلَهَهُمْ هُوَ اللَّهُ الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ النَّعَمِ، وَتَفَرَّدَ لَهُمْ بِهَا. ثُمَّ قَالَ: {هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ} [الروم: 40] فَتُشْرِكُوهُ فِي عِبَادَتِكُمْ إِيَّايَ، وَتَجْعَلُوهُ لِي نِدًّا وَعَدْلًا؟ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ، فَفِي الَّذِي عَدَدْتُ عَلَيْكُمْ مِنْ نِعْمَتِي وَتَفَرَّدْتُ لَكُمْ بِأَيَادِيَّ دِلَالَاتٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ مَوَاقِعَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَالْجَوْرِ وَالْإِنْصَافِ، وَذَلِكَ إِنِّي لَكُمْ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْكُمْ مُتَفَرِّدٌ دُونَ غَيْرِي، وَأَنْتُمْ تَجْعَلُونَ لِي فِي عِبَادَتِكُمْ إِيَّايَ أَنْدَادًا. فَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْآيَةِ.