سورة العنكبوت
القول في تأويل قوله تعالى: ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون يقول تعالى ذكره: فلما نجى الله هؤلاء المشركين مما كانوا فيه من البحر من الخوف والحذر من الغرق
وَالتَّوْبِيخِ: أَيِ: اكْفُرُوا , فَإِنَّكُمْ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَاذَا يَلْقَوْنَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ بِكُفْرِهِمْ بِهِ. وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ بِسُكُونِ اللَّامِ عَلَى وَجْهِ التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ، وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ قَرَءُوهُ بِكَسْرِ اللَّامِ زَعَمُوا أَنَّهُمْ إِنَّمَا اخْتَارُوا كَسْرَهَا عَطْفًا بِهَا عَلَى اللَّامِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: {لِيَكْفُرُوا} [النحل: 55] وَأَنَّ قَوْلَهُ {لِيَكْفَرُوا} [النحل: 55] لَمَّا كَانَ مَعْنَاهُ: كَيْ يَكْفُرُوا كَانَ الصَّوَابَ فِي قَوْلِهِ {وَلِيَتَمَتَّعُوا} [العنكبوت: 66] أَنْ يَكُونَ: وَكَيْ يَتَمَتَّعُوا، إِذْ كَانَ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: لِيَكْفُرُوا عِنْدَهُمْ، وَلَيْسَ الَّذِي ذَهَبُوا مِنْ ذَلِكَ بِمَذْهَبٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ لَامَ قَوْلِهِ {لِيَكْفُرُوا} [النحل: 55] صَلُحَتْ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى كَيْ، لِأَنَّهَا شَرْطٌ لِقَوْلِهِ: إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ , كَيْ يَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ مِنَ النِّعَمِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ {وَلِيَتَمَتَّعُوا} [العنكبوت: 66] لِأَنَّ إِشْرَاكَهُمْ بِاللَّهِ كَانَ يَكْفُرُوا بِنِعْمَتِهِ، وَلَيْسَ إِشْرَاكُهُمْ بِهِ تَمَتُّعًا بِالدُّنْيَا، وَإِنْ كَانَ الْإِشْرَاكُ بِهِ يُسَهِّلُ لَهُمْ سَبِيلَ التَّمَتُّعِ بِهَا , فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَتَوْجِيهُهُ إِلَى مَعْنَى الْوَعِيدِ أَوْلَى وَأَحَقُّ مِنْ تَوْجِيهِهِ إِلَى مَعْنَى: وَكَيْ يَتَمَتَّعُوا. وَبَعْدُ فَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ: «وَتَمَتَّعُوا» وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ مَنْ قَرَأَهُ بِسُكُونِ اللَّامِ بِمَعْنَى الْوَعِيدِ.