سورة سبأ
القول في تأويل قوله تعالى: وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء المشركون حين عاينوا عذاب الله آمنا به، يعني: آمنا بالله وبكتابه ورسوله وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي [ص: 315] قَوْلِهِ: {وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ} [سبأ: 52] \"" بَعْدَ الْقَتْلِ وَقَوْلُهُ {وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ} [سبأ: 52] يَقُولُ: وَمِنْ أَيِّ وَجْهٍ لَهُمُ التَّنَاوُشُ \"" وَاخْتَلَفَتْ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ فِي ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ {التَّنَاوُشُ} [سبأ: 52] بِغَيْرِ هَمْزٍ، بِمَعْنَى: التَّنَاوُلِ؛ وَقَرَأْتُهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ: (التَّنَاؤُشُ) بِالْهَمْزِ، بِمَعْنَى: التَّنَؤُّشِ، وَهُوَ الْإِبْطَاءُ، يُقَالُ مِنْهُ: تَنَاءَشْتُ الشَّيْءَ: أَخَذْتُهُ مِنْ بَعِيدٍ، وَنُشْتَهُ: أَخَذْتُهُ مِنْ قَرِيبٍ؛ وَمِنَ التَّنَؤُّشِ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر الطويل]
تَمَنَّى نَئِيشًا أَنْ يَكُونَ أَطَاعَنِي ... وَقَدْ حَدَثَتْ بَعْدَ الْأُمُورِ أُمُورُ
وَمَنَ النَّوْشِ قَوْلُ الرَّاجِزِ:
[البحر الرجز]
فَهِيَ تَنُوشُ الْحَوْضَ نَوْشًا مِنْ عَلَا ... [ص: 316] نَوْشًا بِهِ تَقْطَعُ أَجْوَازَ الْفَلَا
وَيُقَالُ لِلْقَوْمِ فِي الْحَرْبِ، إِذَا دَنَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ بِالرِّمَاحِ وَلَمْ يَتَلَاقَوْا: قَدْ تَنَاوَشَ الْقَوْمُ وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ فِي قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ، مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى، وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ: وَقَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ، فِي حِينَ لَا يَنْفَعُهُمْ قِيلَ ذَلِكَ، فَقَالَ اللَّهُ {وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ} [سبأ: 52] أَيْ وَأَيْنَ لَهُمُ التَّوْبَةُ وَالرَّجْعَةُ: أَيْ قَدْ بَعُدَتْ عَنْهُمْ، فَصَارُوا مِنْهَا كَمَوْضِعٍ بَعِيدٍ أَنْ يَتَنَاوَلُوهَا؛ وَإِنَّمَا وَصَفْتُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بِالْبَعِيدِ، لِأَنَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ فِي الْقِيَامَةِ، فَقَالَ اللَّهُ: أَنِّي لَهُمْ بِالتَّوْبَةِ الْمَقْبُولَةِ، وَالتَّوْبَةُ الْمَقْبُولَةُ إِنَّمَا كَانَتْ فِي الدُّنْيَا، وَقَدْ ذَهَبتِ الدُّنْيَا فَصَارَتْ بَعِيدًا مِنَ الْآخِرَةِ، فَبِأَيَّةِ الْقِرَاءَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْتُ قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ الصَّوَابَ فِي ذَلِكَ وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ قَرَؤُوا ذَلِكَ بِالْهَمْزِ هَمَزُوا، وَهُمْ يُرِيدُونَ مَعْنَى مَنْ لَمْ يَهْمِزْ، وَلَكِنَّهُمْ هَمَزُوهُ لِانْضِمَامِ الْوَاوِ فَقَلَبُوهَا، كَمَا قِيلَ: {وَإِذَا الرُّسُلُ [ص: 317] أُقِتَتْ} [المرسلات: 11] فَجُعِلَتِ الْوَاوُ مِنْ وَقَتَتْ، إِذَا كَانَتْ مَضْمُومَةٌ هَمَزُوهُ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ"