سورة البقرة
القول في تأويل قوله تعالى: ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد يعني تعالى ذكره بقوله: ولا تباشروهن لا تجامعوا نساءكم، وبقوله: وأنتم عاكفون في المساجد يقول: في حال عكوفكم في المساجد، وتلك حال حبسهم أنفسهم على عبادة الله في مساجدهم. والعكوف أصله
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ، قَالَ: ثنا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قَالَ: ثنا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ جَمِيعًا، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ فَأُرَجِّلُهُ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ» [ص: 274] فَإِذَا كَانَ صَحِيحًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ غَسْلِ عَائِشَةَ رَأْسَهُ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187] غَيْرُ جَمِيعِ مَا لَزِمَهُ اسْمُ الْمُبَاشَرَةِ وَأَنَّهُ مَعْنِيُّ بِهِ الْبَعْضُ مِنْ مَعَانِي الْمُبَاشَرَةِ دُونَ الْجَمِيعِ. فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَكَانَ مُجْمَعًا عَلَى أَنَّ الْجِمَاعَ مِمَّا عُنِيَ بِهِ، كَانَ وَاجِبًا تَحْرِيمُ الْجِمَاعِ عَلَى الْمُعْتَكِفِ وَمَا أَشْبَهَهُ، وَذَلِكَ كُلُّ مَا قَامَ فِي الِالْتِذَاذِ مَقَامَهُ مِنَ الْمُبَاشَرَةِ"