سورة البقرة
القول في تأويل قوله تعالى: وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين اختلف أهل التأويل في تأويل هذه الآية، ومن عنى بقوله: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة فقال بعضهم: عنى بذلك: وأنفقوا في سبيل الله وسبيل الله:
كَمَا حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثنا مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلِهِ: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] قَالَ \" التَّهْلُكَةُ: عَذَابُ اللَّهِ \"" قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَيَكُونُ ذَلِكَ إِعْلَامًا مِنْهُ لَهُمْ بَعْدَ أَمْرِهِ إِيَّاهُمْ بِالنَّفَقَةِ مَا لِمَنْ تَرَكَ النَّفَقَةَ الْمَفْرُوضَةَ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ فِي الْمَعَادِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا وَجْهُ إِدْخَالِ الْبَاءِ فِي قَوْلِهِ. {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ} [البقرة: 195] وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْمَعْرُوفَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ أَلْقَيْتُ إِلَى فُلَانٍ دِرْهَمًا، دُونَ أَلَقَيْتُ إِلَى فُلَانٍ بِدِرْهَمٍ؟ قِيلَ: قَدْ قِيلَ إِنَّهَا زِيدَتْ نَحْوَ زِيَادَةِ الْقَائِلِ فِي الْبَاءِ فِي قَوْلِهِ: جَذَبْتُ بِالثَّوْبِ، وَجَذَبْتُ الثَّوْبَ، وَتَعَلَّقْتُ بِهِ، وَتَعَلَّقْتُهُ، وَ {تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ} [المؤمنون: 20] وَإِنَّمَا [ص: 326] هُوَ تَنْبُتُ الدُّهْنَ. وَقَالَ آخَرُونَ: الْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ} [البقرة: 195] أَصْلٌ لِلْكَلِمَةِ، لِأَنَّ كُلَّ فِعْلٍ وَاقِعٌ كُنِّيَ عَنْهُ فَهُوَ مُضْطَرٌّ إِلَيْهَا، نَحْوَ قَوْلِكَ فِي رَجُلٍ: «كَلَّمْتُهُ» ، فَأَرَدْتَ الْكِنَايَةَ عَنْ فِعْلِهِ، فَإِذَا أَرَدْتَ ذَلِكَ قُلْتَ: «فَعَلْتُ بِهِ» قَالُوا: فَلَمَّا كَانَ الْبَاءُ هِيَ الْأَصْلُ جَازَ إِدْخَالُ الْبَاءِ وَإِخْرَاجِهَا فِي كُلِّ فِعْلٍ سَبِيلُهُ سَبِيلُ كَلِمَتُهُ. وَأَمَّا التَّهْلُكَةُ، فَإِنَّهَا التَّفْعِلَةُ مِنَ الْهَلَاكِ"