سورة الحديد
القول في تأويل قوله تعالى: ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم
ذِكْرُ مَنْ قَالَ: الَّذِينَ لَمْ يَرْعَوُا الرَّهْبَانِيَّةَ حَقَّ رِعَايَتِهَا كَانُوا غَيْرَ الَّذِينَ ابْتَدَعُوهَا وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا الْمُرِيدِي الِاقْتِدَاءِ بِهِمْ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحُرَيْثِ أَبُو عَمَّارٍ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ: ثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \" كَانَتْ مُلُوكٌ بَعْدَ عِيسَى بَدَّلُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، وَكَانَ فِيهِمْ مُؤْمِنُونَ يَقْرَأُونَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، فَقِيلَ لِمَلِكِهِمْ: مَا نَجِدُ شَيْئًا أَشَدَّ عَلَيْنَا مِنْ شَتْمٍ يَشْتُمُنَاهُ هَؤُلَاءِ أَنَّهُمْ يَقْرَأُونَ {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلُ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ مَعَ مَا يَعِيبُونَنَا بِهِ فِي قِرَاءَتِهِمْ، فَادْعُهُمْ فَلْيَقْرَأُوا كَمَا نَقْرَأُ، وَلْيُؤْمِنُوا كَمَا آمَنَّا بِهِ. \"" قَالَ: \"" فَدَعَاهُمْ فَجَمَعَهُمْ وَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلَ، أَوْ يَتْرُكُوا قِرَاءَةَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، إِلَّا مَا بَدَّلُوا مِنْهَا، فَقَالُوا: مَا تُرِيدُونَ إِلَى ذَلِكَ فَدَعُونَا \""؛ قَالَ: \"" فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمُ: ابْنُوا لَنَا أُسْطُوَانَةً، ثُمَّ ارْفَعُونَا إِلَيْهَا، ثُمَّ أَعْطُونَا شَيْئًا نَرْفَعُ بِهِ طَعَامَنَا وَشَرَابَنَا، فَلَا نَرِدُ عَلَيْكُمْ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: دَعُونَا نَسِيحُ فِي الْأَرْضِ، وَنَهِيمُ وَنَشْرَبُ كَمَا تَشْرَبُ الْوحُوشُ، فَإِنْ قَدَرْتُمْ عَلَيْنَا بِأَرْضِكُمْ فَاقْتُلُونَا، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: ابْنُوا لَنَا دُورًا فِي الْفَيَافِي، وَنَحْتَفِرُ الْآبَارَ، وَنَحْتَرِثُ الْبُقُولَ، فَلَا نَرِدُ عَلَيْكُمْ، وَلَا نَمُرُّ بِكُمْ، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أُولَئِكَ إِلَّا وَلَهُ حَمِيمٌ فِيهِمْ \""؛ قَالَ: \"" فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} [الحديد: 27] الْآخَرُونَ قَالُوا: نَتَعَبَّدُ كَمَا تَعَبَّدَ فُلَانٌ، وَنَسِيحُ كَمَا سَاحَ فُلَانٌ وَنَتَّخِذُ دُورًا كَمَا [ص: 430] اتَّخَذَ فُلَانٌ، وَهُمْ عَلَى شِرْكِهِمْ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِإِيمَانِ الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِمْ؛ \"" قَالَ: \"" فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ، انْحَطَّ رَجُلٌ مِنْ صَوْمَعَتِهِ، وَجَاءَ سَائِحٌ مِنْ سِيَاحَتِهِ، وَجَاءَ صَاحِبُ الدَّارِ مِنْ دَارِهِ، وَآمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ، فَقَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمَنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ} [الحديد: 28] قَالَ: أَجْرَيْنِ لِإِيمَانِهِمْ بِعِيسَى، وَتَصْدِيقِهِمْ بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَإِيمَانِهِمْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَصْدِيقِهِمْ بِهِ قَالَ {وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ} [الحديد: 28] الْقُرْآنَ، وَاتِّبَاعِهِمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ \"" وَقَالَ: \"" {لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدَ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الحديد: 29] \"""