سورة المدثر
وقوله: نذيرا للبشر يقول تعالى ذكره: إن النار لإحدى الكبر، نذيرا لبني آدم. واختلف أهل التأويل في معنى قوله: نذيرا للبشر وما الموصوف بذلك، فقال بعضهم: عنى بذلك النار، وقالوا: هي صفة للهاء التي في قوله: إنها وقالوا: هي النذير؛ فعلى قول هؤلاء
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ: وَاللَّهِ مَا أُنْذِرَ النَّاسُ بِشَيْءٍ أَدْهَى مِنْهَا، أَوْ بِدَاهِيَةٍ هِيَ أَدْهَى مِنْهَا وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ مِنْ صِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ عَنْ نَفْسِهِ، أَنَّهُ نَذِيرٌ لِخَلْقِهِ. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ نَصْبُ قَوْلِهِ: {نَذِيرًا} [الفرقان: 1] عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ جُمْلَةِ الْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ [ص: 446] النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً نَذِيرًا لِلْبَشَرِ؛ يَعْنِي: إِنْذَارًا لَهُمْ؛ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: {نَذِيرًا} [الفرقان: 1] بِمَعْنَى إِنْذَارًا لَهُمْ؛ كَمَا قَالَ: {كَيْفَ نَذِيرِ} [الملك: 17] بِمَعْنَى إِنْذَارِي؛ وَيَكُونُ أَيْضًا بِمَعْنَى: إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرُ؛ صَيَّرْنَا ذَلِكَ كَذَلِكَ نَذِيرًا، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: {إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ} [المدثر: 35] مُؤَدِّيًا عَنْ مَعْنَى صَيَّرْنَا ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَهَذَا الْمَعْنَى قَصْدُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ"