سورة البقرة
القول في تأويل قوله تعالى: وما يخدعون إلا أنفسهم إن قال لنا قائل: أوليس المنافقون قد خدعوا المؤمنين بما أظهروا بألسنتهم من قيل الحق عن أنفسهم وأموالهم وذراريهم حتى سلمت لهم دنياهم وإن كانوا قد كانوا مخدوعين في أمر آخرتهم؟ قيل: خطأ أن يقال إنهم خدعوا
يَخْدَعْ إِلَّا نَفْسَهُ، فَتُثْبِتْ مِنْهُ مُخَادَعَةَ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنِينِ، وَتَنْفِي عَنْهُ أَنْ يَكُونَ خَدَعَ غَيْرَ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْخَادِعَ هُوَ الَّذِي قَدْ صَحَّتْ لَهُ الْخَدِيعَةُ وَوَقَعَ مِنْهُ فِعْلُهَا. فَالْمُنَافِقُونَ لَمْ يَخْدَعُوا غَيْرَ أَنْفُسِهِمْ، لِأَنَّ مَا كَانَ لَهُمْ مِنْ مَالٍ وَأَهْلٍ فَلَمْ يَكُنِ الْمُسْلِمُونَ مَلَكُوهُ عَلَيْهِمْ فِي حَالِ خِدَاعِهِمْ إِيَّاهُ عَنْهُ بِنِفَاقِهِمْ وَلَا قَبْلَهَا فَيَسْتَنْقِذُوهُ بِخِدَاعِهِمْ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا دَافَعُوا عَنْهُ بِكَذِبِهِمْ وَإِظْهَارِهِمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ غَيْرَ الَّذِي فِي ضَمَائِرِهِمْ، وَيْحَكُمُ اللَّهُ لَهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ فِي ظَاهِرِ أُمُورِهِمْ بِحُكْمِ مَا انْتَسَبُوا إِلَيْهِ مِنَ الْمِلَّةِ، وَاللَّهُ بِمَا يُخْفُونَ مِنْ أُمُورِهِمْ عَالِمٌ. وَإِنَّمَا الْخَادِعُ مَنْ خَتَلَ غَيْرَهُ عَنْ شَيْئِهِ، وَالْمَخْدُوعُ غَيْرُ عَالِمٍ بِمَوْضِعِ خَدِيعَةِ خَادِعِهِ. فَأَمَّا وَالْمُخَادَعُ عَارِفٌ بِخِدَاعِ صَاحِبِهِ إِيَّاهُ، وَغَيْرُ لَاحِقِهِ مِنْ خِدَاعِهِ إِيَّاهُ مَكْرُوهٌ، بَلْ إِنَّمَا يَتَجَافَى لِلظَّانِّ بِهِ أَنَّهُ لَهُ مُخَادِعٌ اسْتِدْرَاجًا لِيَبْلُغَ غَايَةً يَتَكَامَلُ لَهُ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ لِلْعُقُوبَةِ الَّتِي هُوَ بِهَا مَوْقَعٌ عِنْدَ بُلُوغِهِ إِيَّاهَا. وَالْمُسْتَدْرَجُ غَيْرُ عَالِمٍ بِحَالِ نَفْسِهِ عِنْدَ مُسْتَدْرِجِهِ، وَلَا عَارِفٍ بِاطِّلَاعِهِ عَلَى ضَمِيرِهِ، وَأَنَّ إِمْهَالَ مُسْتَدْرِجِيهِ إِيَّاهُ تَرْكُهُ مُعَاقَبَتَهُ عَلَى جُرْمِهِ لِيَبْلُغَ الْمُخَاتِلُ الْمُخَادِعُ مِنَ اسْتِحْقَاقِهِ عُقُوبَةَ مُسْتَدْرِجِهِ بِكَثْرَةِ إِسَاءَتِهِ وَطُولِ عِصْيَانِهِ إِيَّاهُ وَكَثْرَةِ صَفْحِ الْمُسْتَدْرِجِ وَطُولِ عَفْوِهِ عَنْهُ أَقْصَى غَايَةٍ، فَإِنَّمَا هُوَ خَادِعٌ نَفْسَهُ لَا شَكَّ دُونَ مَنْ حَدَّثَتْهُ نَفْسُهُ أَنَّهُ لَهُ مُخَادِعٌ.