سورة البقرة
القول في تأويل قوله تعالى: ولا فسوق اختلف أهل التأويل في معنى الفسوق التي نهى الله عنها في هذا الموضع، فقال بعضهم: هي المعاصي كلها
قَبْلَ إِحْرَامِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِأَنْ يُقَالَ فِيمَا قَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى خَلْقِهِ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ: لَا يَفْعَلَنَّ أَحَدُكُمْ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ مَا هُوَ حَرَامٌ عَلَيْهِ فِعْلُهُ فِي كُلِّ حَالٍ، لِأَنَّ خُصُوصَ حَالِ الْإِحْرَامِ بِهِ لَا وَجْهَ لَهُ وَقَدْ عَمَّ بِهِ جَمِيعَ الْأَحْوَالِ مِنَ الْإِحْلَالِ وَالْإِحْرَامِ. فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ الَّذِيَ نُهِيَ عَنْهُ الْمُحْرِمُ مِنَ الْفُسُوقِ فَخُصَّ بِهِ حَالَ إِحْرَامِهِ، وَقِيلَ لَهُ: «إِذَا فَرَضْتَ الْحَجَّ فَلَا تَفْعَلْهُ» هُوَ الَّذِي كَانَ لَهُ مُطْلَقًا قَبْلَ حَالِ فَرْضِهِ الْحَجَّ، وَذَلِكَ هُوَ مَا وَصَفْنَا وَذَكَرْنَا أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ خَصَّ بِالنَّهْيِ عَنْهُ الْمُحْرِمَ فِي حَالِ إِحْرَامِهِ مِمَّا نَهَاهُ عَنْهُ مِنَ الطِّيبِ وَاللِّبَاسِ وَالْحَلْقِ وَقَصِّ الْأَظْفَارِ وَقَتْلِ الصَّيْدِ، وَسَائِرِ مَا خَصَّ اللَّهُ بِالنَّهْيِ عَنْهُ الْمُحْرِمَ فِي حَالِ إِحْرَامِهِ. فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا: فَمَنْ فَرَضَ الْحَجَّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَأَحْرَمَ فِيهِنَّ، فَلَا يَرْفُثْ عِنْدَ النِّسَاءِ فَيُصَرِّحُ لَهُنَّ بِجِمَاعِهَّنَ، وَلَا يُجَامِعُهُنَّ، وَلَا يَفْسُقُ بِإِتْيَانِ مَا نَهَاهُ اللَّهُ فِي حَالِ إِحْرَامِهِ بِحَجِّهِ، مِنْ قَتْلِ صَيْدٍ، وَأَخْذِ شَعْرٍ، وَقَلْمِ ظُفْرٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِعْلَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ