الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة: 197] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَاتَّقُونِ يَا أَهْلَ الْعُقُولِ، وَالْأَفْهَامِ بِأَدَاءِ فَرَائِضِي عَلَيْكُمُ الَّتِي أَوْجَبْتُهَا عَلَيْكُمْ فِي حَجِّكُمْ، وَمَنَاسِكِكُمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ دِينِي الَّذِي شَرَعْتُهُ لَكُمْ، وَخَافُوا عِقَابِي بِاجْتِنَابِ مَحَارِمِي الَّتِي حَرَّمْتُهَا عَلَيْكُمْ؛ تَنْجُوا بِذَلِكَ مِمَّا تَخَافُونَ مِنْ غَضَبِي عَلَيْكُمْ، وَعِقَابِي، وَتُدْرِكُوا مَا تَطْلُبُونَ مِنَ الْفَوْزِ بِجَنَّاتِي. وَخَصَّ جَلَّ ذِكْرُهُ بِالْخِطَابِ بِذَلِكَ أُولِي الْأَلْبَابِ، لِأَنَّهُمْ أَهْلُ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَأَهْلُ الْفِكْرِ الصَّحِيحِ وَالْمَعْرِفَةِ بِحَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي بِالْعُقُولِ تُدْرَكُ وَبْالْأَلْبَابِ تُفْهَمُ، وَلَمْ يَجْعَلْ لِغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْجَهْلِ فِي الْخِطَابِ بِذَلِكَ حَظًّا، إِذْ كَانُوا أَشْبَاحًا كَالْأَنْعَامِ، وَصِوَرًا كَالْبَهَائِمِ، بَلْ هُمْ مِنْهَا أَضَلُّ سَبِيلًا. وَالْأَلْبَابُ: جَمْعُ لُبٍّ، وَهُوَ الْعَقْلُ"