سورة العاديات
وقوله: وإنه لحب الخير لشديد يقول تعالى ذكره: وإن الإنسان لحب المال لشديد. واختلف أهل العربية في وجه وصفه بالشدة لحب المال، فقال بعض البصريين: معنى ذلك: وإنه من أجل حب الخير لشديد: أي لبخيل؛ قال: يقال للبخيل: شديد ومتشدد. واستشهدوا لقوله ذلك
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات: 8] قَالَ: \" الْخَيْرُ: الدُّنْيَا؛ وَقَرَأَ: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ} [البقرة: 180] قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: إِنْ تَرَكَ خَيْرًا: الْمَالَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَيُّ شَيْءٍ هُوَ إِلَّا الْمَالُ؟ قَالَ: وَعَسَى أَنْ يَكُونَ حَرَامًا، وَلَكِنَّ النَّاسَ يَعُدُّونَهُ خَيْرًا، فَسَمَّاهُ اللَّهُ خَيْرًا، لِأَنَّ النَّاسَ يُسَمُّونَهُ خَيْرًا فِي الدُّنْيَا، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَبِيثًا، وَسُمِّيَ الْقِتَالُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ سُوءًا، وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ: {فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ} [آل عمران: 174] قَالَ: لَمْ يَمْسَسْهُمْ قِتَالٌ؛ قَالَ: وَلَيْسَ هُوَ عِنْدَ اللَّهِ بِسُوءٍ، وَلَكِنْ يُسَمُّونَهُ سُوءًا \"" وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ، وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ، وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ لَشَاهِدٌ. وَلَكِنَّ قَوْلَهُ: {وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ} [العاديات: 7] قُدِّمَ، وَمَعْنَاهُ التَّأْخِيرُ، فَجُعِلَ مُعْتَرِضًا بَيْنَ قَوْلِهِ: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} [العاديات: 6] وَبَيْنَ قَوْلِهِ: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات: 8] وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ"