سورة البقرة
القول في تأويل قوله تعالى: وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور يعني جل ثناؤه بذلك: وفصل القضاء بالعدل بين الخلق، على ما ذكرناه قبل عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: \" من أخذ الحق لكل مظلوم من كل ظالم، حتى القصاص للجماء من القرناء من البهائم \"""
كَافِرًا فَيَعْفُو؛ وَلِذَلِكَ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} [البقرة: 210] وَإِنْ كَانَتْ أُمُورُ الدُّنْيَا كُلُّهَا، وَالْآخِرَةِ مِنْ عِنْدِهِ مَبْدَؤُهَا وَإِلَيْهِ مَصِيرُهَا، إِذْ كَانَ خَلْقُهُ فِي الدُّنْيَا يَتَظَالَمُونَ، وَيُلِي النَّظَرَ بَيْنَهُمْ أَحْيَانًا فِي الدُّنْيَا بَعْضَ خَلْقِهِ، فَيُحَكِّمُ بَيْنَهُمْ بَعْضَ عَبِيدِهِ، فَيَجُورُ بَعْضٌ، وَيَعْدِلُ بَعْضٌ، وَيُصِيبُ وَاحِدٌ، وَيُخْطِئُ وَاحِدٌ، وَيُمَكَّنُ مِنْ تَنْفِيذِ الْحُكْمِ عَلَى بَعْضٍ، وَيَتَعَذَّرُ ذَلِكَ عَلَى بَعْضٍ لِمَنْعَةِ جَانِبِهِ وَغَلَبَتِهِ بِالْقُوَّةِ. فَأَعْلَمَ عِبَادَهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّ مَرْجِعَ جَمِيعِ ذَلِكَ إِلَيْهِ فِي مَوْقِفِ الْقِيَامَةِ، فَيُنْصِفُ كُلًّا مِنْ كُلٍّ، وَيُجَازِي حَقَّ الْجَزَاءِ كُلًّا، حَيْثُ لَا ظُلْمَ وَلَا مُمْتَنِعٍ مِنْ نُفُوذِ حُكْمِهِ عَلَيْهِ، وَحَيْثُ يَسْتَوِي الضَّعِيفُ وَالْقَوِيُّ، وَالْفَقِيرُ، وَالْغَنِيُّ، وَيَضْمَحِلُّ الظُّلْمُ، وَيَنْزِلُ سُلْطَانُ الْعَدْلِ. وَإِنَّمَا أَدْخَلَ جَلَّ وَعَزَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي الْأُمُورِ لِأَنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنَى بِهَا جَمِيعَ الْأُمُورِ، وَلَمْ يَعْنِ بِهَا بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ، فَكَانَ ذَلِكَ بِمَعْنَى قَوْلِ الْقَائِلِ: يُعْجِبُنِي الْعَسَلُ، وَالْبَغْلُ أَقْوَى مِنَ الْحِمَارِ، فَيُدْخِلُ فِيهِ الْأَلِفَ وَاللَّامَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ قَصْدَ بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، إِنَّمَا يُرَادُ بِهِ الْعُمُومُ وَالْجَمْعُ