سورة البقرة
وأما قوله: أم حسبتم كأنه استفهم ب \" أم \"" في ابتداء لم يتقدمه حرف استفهام لسبوق كلام هو به متصل، ولو لم يكن قبله كلام يكون به متصلا، وكان ابتداء لم يكن إلا بحرف من حروف الاستفهام؛ لأن قائلا لو كان قال مبتدئا كلاما لآخر: أم عندك أخوك؟ لكان قائلا ما"
مُدِلٌّ بِقُوَّتِكَ أَمْ عِنْدَكَ أَخُوكَ يَنْصُرُكَ؟ كَانَ مُصِيبًا. وَقَدْ بَيَّنَّا بَعْضَ هَذَا الْمَعْنَى فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ عَنْ إِعَادَتِهِ. فَمَعْنَى الْكَلَامِ: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنَّكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَلَمْ يُصِبْكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ مِنَ الشَّدَائِدِ وَالْمِحَنِ وَالِاخْتِبَارِ، فَتُبْتَلُوا بِمَا ابْتُلُوا وَاخْتُبِرُوا بِهِ مِنَ الْبَأْسَاءِ وَهُوَ شِدَّةُ الْحَاجَةِ، وَالْفَاقَةِ، وَالضَّرَّاءِ، وَهِيَ الْعِلَلُ، وَالْأَوْصَابُ؛ وَلَمْ تُزَلْزَلُوا زَلْزَالَهُمْ، يَعْنِي: وَلَمْ يُصِبْهُمْ مِنْ أَعْدَائِهِمْ مِنَ الْخَوْفِ، وَالرُّعْبِ شِدَّةٌ وَجَهْدٌ حَتَّى يَسْتَبْطِئَ الْقَوْمُ نَصْرَ اللَّهِ إِيَّاهُمْ، فَيَقُولُونَ: مَتَى اللَّهُ نَاصِرُنَا. ثُمَّ أَخْبَرَهُمُ اللَّهُ أَنَّ نَصْرَهُ مِنْهُمْ قَرِيبٌ، وَأَنَّهُ مُعْلِيهِمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ، وَمُظْهِرُهُمْ عَلَيْهِ، فَنَجَزَ لَهُمْ مَا وَعَدَهُمْ، وَأَعْلَى كَلِمَتَهُمْ، وَأَطْفَأَ نَارَ حَرْبِ الَّذِينَ كَفَرُوا. وَهَذِهِ الْآيَةُ فِيمَا يَزْعُمُ أَهْلُ التَّأْوِيلِ نَزَلَتْ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، حِينَ لَقِيَ الْمُؤْمِنُونَ مَا لَقُوا مِنْ شِدَّةِ الْجَهْدِ، مِنْ خَوْفِ الْأَحْزَابِ، وَشِدَّةِ أَذَى الْبَرْدِ، وَضِيقِ الْعَيْشِ الَّذِي كَانُوا فِيهِ يَوْمَئِذٍ، يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} [الأحزاب: 9] إِلَى قَوْلِهِ: {وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} [الأحزاب: 11]