سورة البقرة
القول في تأويل قوله تعالى: ويمدهم قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله ويمدهم
وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قِرَاءَةً عَنْ مُجَاهِدٍ: \" {يَمُدُّهُمْ} [البقرة: 15] قَالَ: يَزِيدُهُمْ \"" وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَتَأَوَّلُ ذَلِكَ أَنَّهُ بِمَعْنَى: يَمُدُّ لَهُمْ، وَيَزْعُمُ أَنَّ ذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِ الْعَرَبِ: الْغُلَامُ يَلْعَبُ الْكِعَابَ، يُرَادُ بِهِ يَلْعَبُ بِالْكِعَابِ. قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَدْ يَقُولُونَ قَدْ مَدَدْتُ لَهُ وَأَمْدَدْتُ لَهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَعْنَى، وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ: {وَأَمْدَدْنَاهُمْ} [الطور: 22] وَهَذَا مِنْ أَمْدَدْنَاهُمْ، قَالَ: وَيُقَالُ قَدْ مَدَّ الْبَحْرُ فَهُوَ مَادٌّ، وَأَمَدَّ الْجُرْحُ فَهُوَ مُمِدٌّ. وَحُكِيَ عَنْ يُونُسَ الْجَرْمِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا كَانَ مِنَ الشَّرِّ فَهُوَ مَدَدْتُ، وَمَا كَانَ مِنَ الْخَيْرِ فَهُوَ أَمْدَدْتُ. ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ كَمَا فَسَّرْتُ لَكَ إِذَا أَرَدْتَ أَنَّكَ تَرَكْتَهُ فَهُوَ مَدَدْتَ لَهُ، وَإِذَا أَرَدْتَ أَنَّكَ أَعْطَيْتَهُ قُلْتَ: أَمْدَدْتُ. وَأَمَّا بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: كُلُّ زِيَادَةٍ حَدَثَتْ فِي الشَّيْءِ مِنْ نَفْسِهِ فَهُوَ مَدَدْتُ بِغَيْرِ أَلِفٍ، كَمَا تَقُولُ: مَدَّ النَّهَرُ، وَمَدُّهُ نَهْرُ آخَرُ غَيْرُهُ: إِذَا اتَّصَلَ بِهِ فَصَارَ مِنْهُ. وَكُلُّ زِيَادَةٍ أُحْدِثَتْ فِي الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِهِ فَهُوَ بِأَلِفٍ، كَقَوْلِكَ: أَمَدَّ الْجُرْحُ، لِأَنَّ الْمِدَّةَ مِنْ غَيْرِ الْجُرْحِ، وَأَمْدَدْتُ الْجَيْشَ بِمَدَدٍ. وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي قَوْلِهِ: {وَيَمُدُّهُمْ} [البقرة: 15] أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى"