سورة البقرة
القول في تأويل قوله تعالى: وقدموا لأنفسكم اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: قدموا لأنفسكم الخير
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَمَا وَجْهُ الْأَمْرِ بِالطَّاعَةِ بِقَوْلِهِ: {وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ} [البقرة: 223] مِنْ قَوْلِهِ: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223] قِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ مَا تَوَهَّمْتَهُ، وَإِنَّمَا عَنَى بِهِ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنَ الْخَيْرَاتِ الَّتِي نَدَبْنَاكُمْ إِلَيْهَا بِقَوْلِنَا: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [البقرة: 215] وَمَا بَعْدَهُ مِنْ سَائِرِ مَا سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَجِيبُوا عَنْهُ مِمَّا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ مَا فِيهِ رُشْدُكُمْ وَهِدَايَتُكُمْ إِلَى مَا يُرْضِي رَبَّكُمْ عَنْكُمْ، فَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمُ الْخَيْرَ الَّذِي أَمَرَكُمْ بِهِ، وَاتَّخِذُوا عِنْدَهُ بِهِ عَهْدًا لِتَجِدُوهُ لَدَيْهِ إِذَا لَقِيتُمُوهُ فِي مَعَادِكُمْ، وَاتَّقُوهُ فِي مَعَاصِيهِ أَنْ تَقْرَبُوهَا وَفِي حُدُودِهِ أَنْ تُضَيِّعُوهَا، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَا مَحَالَةَ مُلَاقُوهُ فِي مَعَادِكُمْ، فَمُجَازٍ الْمُحْسِنَ مِنْكُمْ بِإِحْسَانِهِ، وَالْمُسِيءَ بِإِسَاءَتِهِ