الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} [البقرة: 18] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَإِذْ كَانَ تَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ} [البقرة: 17] هُوَ مَا وَصَفْنَا مِنْ أَنَّ ذَلِكَ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَمَّا هُوَ فَاعِلٌ بِالْمُنَافِقِينَ فِي الْآخِرَةِ، عِنْدَ هَتْكِ أَسْتَارِهِمْ، وَإِظْهَارِهِ فَضَائِحَ أَسْرَارِهِمْ، وَسَلْبِهِ ضِيَاءَ أَنْوَارِهِمْ مِنْ تَرْكِهِمْ فِي ظُلَمِ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ يَتَرَدَّدُونَ، وَفِي حَنَادِسِهَا لَا يُبْصِرُونَ؛ فَبَيَّنَ أَنَّ قَوْلَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} [البقرة: 18] مِنَ الْمُؤَخَّرِ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّقْدِيمُ، وَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ، صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ؛ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ، أَوْ كَمَثَلِ صَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ. وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَى الْكَلَامِ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ قَوْلَهُ: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} [البقرة: 18] يَأْتِيهِ الرَّفْعُ"