سورة البقرة
القول في تأويل قوله تعالى: ولكن لا تواعدوهن سرا اختلف أهل التأويل في معنى السر الذي نهى الله تعالى عباده عن مواعدة المعتدات به، فقال بعضهم: هو الزنا
ذَلِكَ مِمَّا يَكُونُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي خِفَاءٍ غَيْرِ ظَاهِرٍ مُطَّلِعٍ عَلَيْهِ، فَيُسَمَّى لِخَفَائِهِ سِرًّا. مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ الْعَجَّاجِ:
[البحر الرجز]
فَعَفَّ عَنْ أَسْرَارِهَا بَعْدَ الْعَسَقْ ... وَلَمْ يُضِعْهَا بَيْنَ فَرْكٍ وَعَشَقْ
يَعْنِي بِذَلِكَ: عَفَّ عَنْ غِشْيَانِهَا بَعْدَ طُولِ مُلَازَمَتِهِ ذَلِكَ. وَمِنْهُ قَوْلُ الْحُطَيْئَةِ:
[البحر الوافر]
وَيَحْرُمُ سِرُّ جَارَتِهِمْ عَلَيْهِمْ ... وَيَأْكُلُ جَارُهُمْ أَنْفَ الْقِصَاعِ
وَكَذَلِكَ يُقَالُ لِكُلِّ مَا أَخْفَاهُ الْمَرْءُ فِي نَفْسِهِ سِرٌّ، وَيُقَالُ: هُوَ فِي سِرِّ قَوْمِهِ، يَعْنِي فِي خِيَارِهِمْ وَشَرَفِهِمْ. فَلَمَّا كَانَ السِّرُّ إِنَّمَا يُوَجَّهُ فِي كَلَامِهَا إِلَى أَحَدِ هَذِهِ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ، وَكَانَ مَعْلُومًا أَنَّ أَحَدَهُنَّ غَيْرُ مَعْنِيٍّ بِهِ قَوْلُهُ: {وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا} [البقرة: 235] وَهُوَ السِّرُّ الَّذِي هُوَ مَعْنَى الْخِيَارِ وَالشَّرَفِ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْوَجْهَانِ الْآخَرَانِ وَهُوَ السِّرُّ الَّذِي بِمَعْنَى مَا أَخْفَتْهُ نَفْسُ الْمُوَاعِدِينَ الْمُتَوَاعِدِينَ، وَالسِّرُّ الَّذِي بِمَعْنَى الْغِشْيَانِ، وَالْجِمَاعِ. فَلَمَّا لَمْ يَبْقَ"