سورة البقرة
القول في تأويل قوله تعالى: ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره يعني تعالى ذكره بقوله: ومتعوهن وأعطوهن ما يتمتعن به من أموالكم على أقداركم ومنازلكم من الغنى، والإقتار ثم اختلف أهل التأويل في مبلغ ما أمر الله به الرجال من ذلك، فقال بعضهم: أعلاه
حُدِّثْتُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ، قَالَ: ثني عَقِيلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: \" فِي مُتْعَةِ الْمُطَلَّقَةِ: أَعْلَاهُ الْخَادِمُ، وَأَدْنَاهُ الْكِسْوَةُ، وَالنَّفَقَةُ، وَيَرَى أَنَّ ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرَهُ} [البقرة: 236] \"" وَقَالَ آخَرُونَ: مَبْلَغُ ذَلِكَ إِذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجُ وَالْمَرْأَةُ فِيهِ قَدْرُ نِصْفِ صَدَاقِ مِثْلِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ الْمَنْكُوحَةِ بِغَيْرِ صَدَاقٍ مُسَمًّى فِي عَقْدِهِ، وَذَلِكَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابِهِ. وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ مِنْ أَنَّ الْوَاجِبَ مِنْ ذَلِكَ لِلْمَرْأَةِ الْمُطَلَّقَةِ عَلَى الرَّجُلِ عَلَى قَدْرِ عُسْرِهِ، وَيُسْرِهِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} [البقرة: 236] لَا عَلَى قَدْرِ الْمَرْأَةِ. وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا لِلْمَرْأَةِ عَلَى قَدْرِ صَدَاقِ مِثْلِهَا إِلَى قَدْرِ نِصْفِهِ لَمْ يَكُنْ لِقِيلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ} [البقرة: 236] مَعْنًى مَفْهُومٌ، وَلَكَانَ الْكَلَامُ: وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى قَدْرِهِنَّ وَقَدْرِ نِصْفِ صَدَاقِ أَمْثَالِهِنَّ. وَفِي إِعْلَامِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عِبَادَهُ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ الرَّجُلِ فِي عُسْرِهِ، وَيُسْرِهِ، لَا عَلَى قَدْرِهِ، وَقَدْرِ نِصْفِ صَدَاقِ مِثْلِهَا مَا يُبِينُ عَنْ صِحَّةِ مَا قُلْنَا وَفَسَادِ مَا خَالَفَهُ. وَذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ قَدْ يَكُونُ صَدَاقُ مِثْلِهَا الْمَالَ الْعَظِيمَ، وَالرَّجُلُ فِي حَالِ طَلَاقِهِ إِيَّاهَا [ص: 294] مُقْتِرٌ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا، فَإِنْ قُضِيَ عَلَيْهِ بِقَدْرِ نِصْفِ صَدَاقِ مِثْلِهَا أُلْزِمَ مَا يَعْجِزُ عَنْهُ بَعْضُ مِنْ قَدْ وُسِّعَ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ؟ وَإِذَا فُعِلَ ذَلِكَ بِهِ، كَانَ الْحَاكِمُ بِذَلِكَ عَلَيْهِ قَدْ تَعَدَّى حُكْمَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهَ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} [البقرة: 236] وَلَكِنَّ ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ عُسْرِ الرَّجُلِ، وَيُسْرِهِ، لَا يُجَاوَزُ بِذَلِكَ خَادِمٌ أَوْ قِيمَتُهَا، إِنْ كَانَ الزَّوْجُ مُوسِعًا، وَإِنْ كَانَ مُقْتِرًا فَأَطَاقَ أَدْنَى مَا يَكُونُ كِسْوَةً لَهَا، وَذَلِكَ ثَلَاثُ أَثْوَابٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ، قُضِيَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ ذَلِكَ فَعَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ، وَذَلِكَ عَلَى قَدْرِ اجْتِهَادِ الْإِمَامِ الْعَادِلِ عِنْدَ الْخُصُومَةِ إِلَيْهِ فِيهِ. وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ. {وَمَتِّعُوهُنَّ} [البقرة: 236] هَلْ هُوَ عَلَى الْوُجُوبِ، أَوْ عَلَى النَّدْبِ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ عَلَى الْوُجُوبِ يُقْضَى بِالْمُتْعَةِ فِي مَالِ الْمُطَلِّقِ، كَمَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِسَائِرِ الدُّيُونِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ لِغَيْرِهِ، وَقَالُوا: ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ كَائِنَةً مَنْ كَانَتْ مِنْ نِسَائِهِ"