سورة البقرة
القول في تأويل قوله تعالى: ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره يعني تعالى ذكره بقوله: ومتعوهن وأعطوهن ما يتمتعن به من أموالكم على أقداركم ومنازلكم من الغنى، والإقتار ثم اختلف أهل التأويل في مبلغ ما أمر الله به الرجال من ذلك، فقال بعضهم: أعلاه
يَكُونُوا مِنَ الْمُحْسِنِينَ، وَمَنِ الْمُتَّقِينَ، وَمَا وَجَبَ مِنْ حَقٍّ عَلَى أَهْلِ الْإِحْسَانِ وَالتُّقَى، فَهُوَ عَلَى غَيْرِهِمْ أَوْجَبُ، وَلَهُمْ أَلْزَمُ. وَبَعْدُ، فَإِنَّ فِي إِجْمَاعِ الْحُجَّةِ عَلَى أَنَّ الْمُتْعَةَ لِلْمُطَلَّقَةِ غَيْرِ الْمَفْرُوضِ لَهَا قَبْلَ الْمَسِيسِ وَاجِبَةٌ بِقَوْلِهِ: {وَمَتِّعُوهُنَّ} [البقرة: 236] وُجُوبُ نِصْفِ الصَّدَاقِ لِلْمُطَلَّقَةِ الْمَفْرُوضِ لَهَا قَبْلَ الْمَسِيسِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِيمَا أَوْجَبَ لَهَا. ذَلِكَ الدَّلِيلُ الْوَاضِحُ أَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ وَاجِبٌ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ بِقَوْلِهِ: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 241] وَإِنْ كَانَ قَالَ: {حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 180] وَمَنْ أَنْكَرَ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ، سُئِلَ عَنِ الْمُتْعَةِ لِلْمُطَلَّقَةِ غَيْرِ الْمَفْرُوضِ لَهَا قَبْلَ الْمَسِيسِ، فَإِنْ أَنْكَرَ وُجُوبَهُ خَرَجَ مِنْ قَوْلِ جَمِيعِ الْحُجَّةِ، وَنُوظِرَ مُنَاظَرَتَنَا الْمُنْكِرِينَ فِي عِشْرِينَ دِينَارًا زَكَاةً، وَالدَّافِعِينَ زَكَاةَ الْعُرُوضِ إِذَا كَانَتْ لِلتِّجَارَةِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. فَإِنْ أَوْجَبَ ذَلِكَ لَهَا، سُئِلَ الْفَرْقَ بَيْنَ وُجُوبِ ذَلِكَ لَهَا، وَالْوُجُوبَ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ، وَقَدْ شَرَطَ فِيمَا جَعَلَ لَهَا مِنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَى الْمُحْسِنِينَ، كَمَا شَرَطَ فِيمَا جَعَلَ لِلْآخَرِ بِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَى الْمُتَّقِينَ، فَلَنْ يَقُولَ فِي أَحَدِهِمَا قَوْلًا إِلَّا أُلْزِمَ فِي الْآخَرِ مِثْلَهُ. وَأَجْمَعَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ غَيْرَ الْمَفْرُوضِ لَهَا قَبْلَ الْمَسِيسِ، لَا شَيْءَ لَهَا عَلَى زَوْجِهَا الْمُطَلِّقِهَا غَيْرَ الْمُتْعَةِ.