سورة البقرة
القول في تأويل قوله تعالى: متاعا بالمعروف حقا على المحسنين يعني تعالى ذكره بذلك: ومتعوهن متاعا. وقد يجوز أن يكون متاعا منصوبا قطعا من القدر، لأن المتاع نكرة، والقدر معرفة. ويعني بقوله بالمعروف بما أمركم الله به من إعطائكم لهن ذلك بغير ظلم، ولا
ذِكْرُهُ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ يَحِقُّ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُحْسِنِينَ. فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذًا: إِذْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ: وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ، وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ، مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ الْوَاجِبِ عَلَى الْمُحْسِنِينَ. ويعني بِقَوْلِهِ: {الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 58] الَّذِينَ يُحْسِنُونَ إِلَى أَنْفُسِهِمْ فِي الْمُسَارَعَةِ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ فِيمَا أَلْزَمَهُمْ بِهِ، وَأَدَائِهِمْ مَا كَلَّفَهُمْ مِنْ فَرَائِضِهِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّكَ قَدْ ذَكَرْتَ أَنَّ الْجُنَاحَ هُوَ الْحَرَجُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} [البقرة: 236] فَهَلْ عَلَيْنَا مِنْ جُنَاحٍ لَوْ طَلَّقْنَاهُنَّ بَعْدَ الْمَسِيسِ، فَيُوضَعُ عَنَّا بِطَلَاقِنَا إِيَّاهُنَّ قَبْلَ الْمَسِيسِ؟ قِيلَ: قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الذَّوَّاقِينَ، وَلَا الذَّوَّاقَاتِ»