الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} [البقرة: 20] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَإِنَّمَا خَصَّ جَلَّ ذِكْرُهُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ بِأَنَّهُ لَوْ شَاءَ أَذْهَبَهَا مِنَ الْمُنَافِقِينَ دُونَ سَائِرِ أَعْضَاءِ أَجْسَامِهِمْ لِلَّذِي جَرَى مِنْ ذِكْرِهَا فِي الْآيَتَيْنِ، أَعْنِي قَوْلَهُ: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ} [البقرة: 19] وَقَوْلَهُ: {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ} [البقرة: 20] فَجَرَى ذِكْرُهَا فِي الْآيَتَيْنِ عَلَى وَجْهِ الْمَثَلِ. ثُمَّ عَقَّبَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ذِكْرَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَوْ شَاءَ أَذْهَبَهُ مِنَ الْمُنَافِقِينَ عُقُوبَةً لَهُمْ عَلَى نِفَاقِهِمْ وَكُفْرِهِمْ، وَعِيدًا مِنَ اللَّهِ لَهُمْ، كَمَا تَوَعَّدَهُمْ فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا بِقَوْلِهِ: {وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ} [البقرة: 19] وَاصِفًا بِذَلِكَ جَلَّ ذِكْرُهُ نَفْسَهُ أَنَّهُ الْمُقْتَدِرُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى جَمْعِهِمْ، لِإِحْلَالِ سَخَطِهِ بِهِمْ، وَإِنْزَالِ نِقْمَتِهِ عَلَيْهِمْ، وَمُحَذِّرَهُمْ بِذَلِكَ سَطْوَتَهُ، وَمُخَوِّفَهُمْ بِهِ عُقُوبَتَهُ، لِيَتَّقُوا بَأْسَهُ، وَيُسَارِعُوا إِلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ"