سورة البقرة
القول في تأويل قوله تعالى: قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين يعني تعالى ذكره بذلك: قال النبي الذي سألوه أن
لَوْ لَمْ تَكُنْ غَطَفَانُ لَا ذُنُوبَ لَهَا إِذَنْ لَلَامَ ذَوُو أَحْسَابِهَا عُمَرَا وَالْمَعْنَى: لَوْ لَمْ تَكُنْ غَطَفَانُ لَهَا ذُنُوبٌ. «وَلَا» زَائِدَةٌ فَأَعْمَلَهَا وَأَنْكَرَ مَا قَالَ هَذَا الْقَائِلُ مِنْ قَوْلِهِ الَّذِي حَكَيْنَا عَنْهُ آخَرُونَ، وَقَالُوا: غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ تَجْعَلَ «أَنْ» زَائِدَةٌ فِي الْكَلَامِ وَهُوَ صَحِيحٌ فِي الْمَعْنَى وَبِالْكَلَامِ إِلَيْهِ الْحَاجَةٌ، قَالُوا: وَالْمَعْنَى: مَا يَمْنَعُنَا أَلَّا نُقَاتِلَ؟ فَلَا وَجْهَ لِدَعْوَى مُدَّعٍ أَنُ «أَنْ» زَائِدَةٌ، وَلَهُ مَعْنًى مَفْهُومٌ صَحِيحٌ. قَالُوا: وَأَمَّا قَوْلُهُ: «لَوْ لَمْ تَكُنْ غَطَفَانُ لَا ذُنُوبَ لَهَا» فَإِنَّ «لَا» غَيْرُ زَائِدَةٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، لِأَنَّهُ جَحْدٌ، وَالْجَحْدُ إذَا جُحِدَ صَارَ إِثْبَاتًا. قَالُوا: فَقَوْلُهُ: «لَوْ لَمْ تَكُنْ غَطَفَانُ لَا ذُنُوبَ لَهَا» إِثْبَاتُ الذُّنُوبِ لَهَا، كَمَا يُقَالُ: مَا أَخُوكَ لَيْسَ يَقُومُ، بِمَعْنَى: هُوَ يَقُومُ. وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: {مَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ} [البقرة: 246] مَا لَنَا وَلَأَنْ لَا نُقَاتِلُ، ثُمَّ حَذَفَتِ الْوَاوُ فَتُرِكَتْ، كَمَا يُقَالُ فِي الْكَلَامِ: مَا لَكَ وَلَأَنْ تَذْهَبَ إِلَى فُلَانٍ؟ فَأُلْقِيَ مِنْهَا الْوَاوُ؛ لِأَنَّ «أَنْ» حَرْفٌ غَيْرُ مُتَمَكِّنٌ فِي الْأَسْمَاءِ، وَقَالُوا: نُجِيزُ أَنْ يُقَالَ: مَا لَكَ أَنْ تَقُومَ؟ وَلَا نُجِيزُ: مَا لَكَ الْقِيَامُ؟ لِأَنَّ الْقِيَامَ اسْمٌ صَحِيحٌ، وَ «أَنْ» اسْمٌ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَقَالُوا: قَدْ تَقُولُ الْعَرَبُ: إِيَّاكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ، بِمَعْنَى إِيَّاكَ وَأَنْ تَتَكَلَّمَ.