سورة البقرة
القول في تأويل قوله تعالى: ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين يعني تعالى ذكره بذلك: ولولا أن الله يدفع ببعض الناس، وهم أهل الطاعة له والإيمان به، بعضا وهم أهل المعصية لله، والشرك به، كما دفع عن المتخلفين عن
أَهْلُهَا بِعُقُوبَةِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ، فَفَسَدَتْ بِذَلِكَ الْأَرْضُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو مَنٍّ عَلَى خَلْقِهِ، وَتَطَوُّلٍ عَلَيْهِمْ بِدَفْعِهِ بِالْبَرِّ مِنْ خَلْقِهِ عَنِ الْفَاجِرِ، وَبِالْمُطِيعِ عَنِ الْعَاصِي مِنْهُمْ، وَبِالْمُؤْمِنِ عَنِ الْكَافِرِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ إِعْلَامٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَهْلَ النِّفَاقِ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُتَخَلِّفِينَ عَنْ مَشَاهِدِهِ وَالْجِهَادِ مَعَهُ لِلشَّكِ الَّذِي فِي نُفُوسِهِمْ وَمَرَضِ قُلُوبِهِمْ وَالْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكُفْرِ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَدْفَعُ عَنْهُمْ مُعَاجَلَتَهُمُ الْعُقُوبَةَ، عَلَى كُفْرِهِمْ وَنِفَاقِهِمْ بِإِيمَانِ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَبِرَسُولِهِ، الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ الْبَصَائِرِ وَالْجَدِّ فِي أَمْرِ اللَّهِ، وَذُوُو الْيَقِينِ بِإِنْجَازِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ وَعْدَهُ عَلَى جِهَادِ أَعْدَائِهِ، وَأَعْدَاءِ رَسُولِهِ مِنَ النَّصْرِ فِي الْعَاجِلِ، وَالْفَوْزَ بَجَنَّاتِهِ فِي الْآخِرَةِ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ