سورة البقرة
وأما قوله: والكافرون هم الظالمون فإنه يعني تعالى ذكره بذلك: والجاحدون لله المكذبون به وبرسله هم الظالمون، يقول: هم الواضعون جحودهم في غير موضعه، والفاعلون غير ما لهم فعله والقائلون ما ليس لهم قوله، وقد دللنا على معنى الظلم بشواهده فيما مضى قبل بما
الْإِيمَانِ؟ قِيلَ لَهُ: إِنَّ الْآيَةَ قَدْ تَقَدَّمَهَا ذِكْرُ صِنْفَيْنِ مِنَ النَّاسِ: أَحَدُهُمَا أَهْلُ كُفْرٍ، وَالْآخَرُ أَهْلُ إِيمَانٍ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ} [البقرة: 253] ثُمَّ عَقَّبَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ الصَّنْفَيْنِ بِمَا ذَكَّرَهُمْ بِهِ، فَحَضَّ أَهْلَ الْإِيمَانِ بِهِ عَلَى مَا يُقَرِّبُهُمْ إِلَيْهِ مِنَ النَّفَقَةِ فِي طَاعَتِهِ وَفِي جِهَادِ أَعْدَائِهِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ قَبْلَ مَجِيءِ الْيَوْمِ الَّذِي وَصَفَ صِفَتَهُ وَأَخْبَرَ فِيهِ عَنْ حَالِ أَعْدَائِهِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ، إِذْ كَانَ قِتَالُ أَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ فِي مَعْصِيَتِهِ وَنَفَقَتُهُمْ فِي الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِهِ، فَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا} [البقرة: 254] أَنْتُمْ {مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 254] فِي طَاعَتِي، إِذْ كَانَ أَهْلُ الْكُفْرِ بِي يُنْفِقُونَ فِي مَعْصِيَتِي {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ} [البقرة: 254] فَيُدْرِكُ أَهْلُ الْكُفْرِ فِيهِ ابْتِيَاعَ مَا فَرَّطُوا فِي ابْتِيَاعِهِ فِي دُنْيَاهُمْ، {وَلَا خُلَّةٌ} [البقرة: 254] لَهُمْ يَوْمَئِذٍ تَنْصُرُهُمْ مِنِّي، وَلَا شَافِعٌ لَهُمْ يَشْفَعُ عِنْدِي فَتُنَجِّيهِمْ شَفَاعَتُهُ لَهُمْ مِنْ عِقَابِي؛ وَهَذَا يَوْمَئِذٍ فِعْلِي بِهِمْ؛ جَزَاءً لَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ، وَهُمُ الظَّالِمُونَ أَنْفُسَهُمْ دُونِي؛ لِأَنِّي غَيْرُ ظَلَّامٍ لِعَبِيدِي