سورة البقرة
القول في تأويل قوله تعالى: ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا فقال بعضهم: يعني بذلك على كل ربع من أرباع الدنيا جزءا منهن
أَنَّ كَذَلِكَ يَجْمَعُ اللَّهُ أَوْصَالَ الْمَوْتَى لَبَعْثِ الْقِيَامَةِ، وَتَأْلِيفَهُ أَجْزَاءَهُمْ بَعْدَ الْبِلَى وَرَدَّ كُلِّ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِمْ إِلَى مَوْضِعِهِ كَالَّذِي كَانَ قَبْلَ الرَّدِّ. وَالْجُزْءُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ هُوَ الْبَعْضُ مِنْهُ كَانَ مُنْقَسِمًا جَمِيعُهُ عَلَيْهِ عَلَى صِحَّةٍ أَوْ غَيْرَ مُنْقَسِمٍ، فَهُوَ بِذَلِكَ مِنْ مَعْنَاهُ مُخَالِفٌ مَعْنَى السَّهْمِ؛ لِأَنَّ السَّهْمَ مِنَ الشَّيْءِ: هُوَ الْبَعْضُ الْمُنْقَسِمُ عَلَيْهِ جَمِيعُهُ عَلَى صِحَّةٍ، وَلِذَلِكَ كَثُرَ اسْتِعْمَالُ النَّاسِ فِي كَلَامِهِمْ عِنْدَ ذِكْرِهِمْ أَنْصِبَاءَهُمْ مِنَ الْمَوَارِيثِ السِّهَامَ دُونَ الْأَجْزَاءِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: {ثُمَّ ادْعُهُنَّ} [البقرة: 260] فَإِنَّ مَعْنَاهُ مَا ذَكَرْتُ آنِفًا عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ أَنَّهُ أُمِرَ أَنْ يَقُولَ لِأَجْزَاءِ الْأَطْيَارِ بَعْدَ تَفْرِيقِهِنَّ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ تَعَالَيْنَ بِإِذْنِ اللَّهِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: أُمِرَ إِبْرَاهِيمُ أَنْ يَدَعُوَهُنَّ وَهُنَّ مُمَزَّقَاتٌ أَجْزَاءً عَلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ أَمْوَاتًا، أَمْ بَعْدَ مَا أُحْيِينَ؟ فَإِنْ كَانَ أُمِرَ أَنْ يَدَعُوَهُنَّ وَهُنَّ مُمَزَّقَاتٌ لَا أَرْوَاحَ فِيهِنَّ، فَمَا وَجْهُ أَمْرِ مَنْ لَا حَيَاةَ فِيهِ بِالْإِقْبَالِ؟ وَإِنْ كَانَ أُمِرَ بِدُعَائِهِنَّ بَعْدَ مَا أُحْيِينَ، فَمَا كَانَتْ حَاجَةُ إِبْرَاهِيمَ إِلَى دُعَائِهِنَّ وَقَدْ أَبْصَرَهُنَّ يُنْشَرْنَ عَلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ؟ قِيلَ: إِنَّ أَمْرَ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدُعَائِهِنَّ وَهُنَّ أَجْزَاءٌ مُتَفَرِّقَاتٌ إِنَّمَا هُوَ أَمْرُ تَكْوِينٍ، كَقَوْلِ اللَّهِ لِلَّذِينَ مَسَخَهُمْ قِرَدَةً بَعْدَ مَا كَانُوا إِنْسًا: {كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [البقرة: 65] لَا أَمْرَ عِبَادَةٍ، فَيَكُونُ مُحَالًا إِلَّا بَعْدَ وُجُودِ الْمَأْمُورِ الْمُتَعَبِّدِ