سورة البقرة
القول في تأويل قوله تعالى: ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير يعني بذلك جل ثناؤه: ومثل الذين ينفقون أموالهم فيصدقون بها ويحملون عليها في
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا سُوَيْدٌ، قَالَ: ثنا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ، قَرَأَ: {ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ} قَالَ: «كَانَ الرَّجُلُ إِذَا هَمَّ بِصَدَقَةٍ تَثَبَّتَ، فَإِنْ كَانَ لِلَّهِ مَضَى، وَإِنْ خَالَطَهُ شَكٌّ أَمْسَكَ» وَهَذَا التَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ مُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ تَأْوِيلٌ بَعِيدُ الْمَعْنَى مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ التِّلَاوَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ تَأَوَّلُوا قَوْلَهُ: {وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [البقرة: 265] بِمَعْنَى: وَتَثَبُّتًا فَزَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا قِيلَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا يَتَثَبَّتُونَ أَيْنَ يَضَعُونَ أَمْوَالَهُمْ، وَلَوْ كَانَ التَّأْوِيلُ كَذَلِكَ، لَكَانَ: وَتَثَبُّتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ؛ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ مِنَ الْكَلَامِ إِنْ كَانَ عَلَى تَفَعَّلْتُ التَّفَعُّلَ، فَيُقَالُ: تَكَرَّمْتُ تَكَرُّمًا، وَتَكَلَّمْتُ تَكَلُّمًا، وَكَمَا قَالَ جَلَّ ثناؤُهُ: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ} [النحل: 47] مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: تَخَوَّفَ فُلَانٌ هَذَا الْأَمْرَ تَخَوُّفًا، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [البقرة: 265] لَوْ كَانَ مِنْ تَثَبُّتِ الْقَوْمِ فِي وَضْعِ