سورة البقرة
القول في تأويل قوله تعالى: ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه يعني بذلك جل ثناؤه: ولستم بآخذي الخبيث في حقوقكم، والهاء في قوله: بآخذيه من ذكر الخبيث إلا أن تغمضوا فيه يعني إلا أن تتجافوا في أخذكم إياه عن بعض الواجب لكم من حقكم، فترخصوا فيه لأنفسكم،
فِيهِ شُرَكَاءَ مِنَ الْخَبِيثِ الرَّدِيءِ غَيْرِهِ، وَيَمْنَعُهُمْ مَا هُوَ لَهُمْ مِنْ حُقُوقِهِمْ فِي الطَّيِّبِ مِنْ مَالِهِ الْجَيِّدِ، كَمَا لَوْ كَانَ مَالُ رَبِّ الْمَالِ رَدِيئًا كُلُّهُ غَيْرَ جَيِّدٍ، فَوَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ وَصَارَ أَهْلُ سُهْمَانِ الصَّدَقَةِ فِيهِ شُرَكَاءَ بِمَا أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُمْ فِيهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُمُ الطَّيِّبَ الْجَيِّدَ مِنْ غَيْرِ مَالِهِ الَّذِي مِنْهُ حَقُّهُمْ، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِأَرْبَابِ الْأَمْوَالِ: زَكُّوا مِنْ جَيِّدِ أَمْوَالِكُمُ الْجَيِّدَ، وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ الرَّدِيءَ تُعْطُونَهُ أَهْلَ سُهْمَانِ الصَّدَقَةِ، وَتَمْنَعُونَهُمُ الْوَاجِبَ لَهُمْ مِنَ الْجَيِّدِ الطَّيِّبِ فِي أَمْوَالِكُمْ، وَلَسْتُمْ بِآخِذِي الرَّدِيءِ لِأَنْفُسِكُمْ مَكَانَ الْجَيِّدِ الْوَاجِبِ لَكُمْ قِبَلَ مَنْ وَجَبَ لَكُمْ عَلَيْهِ ذَلِكَ مِنْ شُرَكَائِكُمْ وَغُرَمَائِكُمْ وَغَيْرِهِمْ إِلَّا عَنْ إِغْمَاضٍ مِنْكُمْ وَهَضْمٍ لَهُمْ وَكَرَاهَةٍ مِنْكُمْ لِأَخْذِهِ، يَقُولُ: وَلَا تَأْتُوا مِنَ الْفِعْلِ إِلَى مَنْ وَجَبَ لَهُ فِي أَمْوَالِكُمْ حَقٌّ مَا لَا تَرْضَوْنَ مِنْ غَيْرِكُمْ أَنْ يَأْتِيَهُ إِلَيْكُمْ فِي حُقُوقِكُمُ الْوَاجِبَةِ لَكُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ؛ فَأَمَّا إِذَا تَطَوَّعَ الرَّجُلُ بِصَدَقَةٍ غَيْرِ مَفْرُوضَةٍ فَإِنِّي وَإِنْ كَرِهْتُ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ فِيهَا إِلَّا أَجْوَدَ مَالِهِ وَأَطْيَبَهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَحَقُّ مَنْ تُقُرِّبَ إِلَيْهِ بِأَكْرَمِ الْأَمْوَالِ وَأَطْيَبِهَا، وَالصَّدَقَةُ قُرْبَانُ الْمُؤْمِنِ، فَلَسْتُ أُحَرِّمُ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَ فِيهَا غَيْرَ الْجَيِّدِ؛ لِأَنَّ مَا دُونَ الْجَيِّدِ رُبَّمَا كَانَ أَعَمَّ نَفْعًا لِكَثْرَتِهِ، أَوْ لِعِظَمِ خَطَرِهِ، وَأَحْسَنَ مَوْقِعًا مِنَ الْمِسْكِينِ، وَمِمَّنْ أُعْطِيهُ قُرْبَةً إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْجَيِّدِ، لِقِلَّتِهِ أَوْ لِصِغَرِ خَطَرِهِ وَقِلَّةِ جَدْوَى نَفْعِهِ عَلَى مَنْ أُعْطِيَهُ وَبِمِثْلِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةُ أَهْلِ الْعِلْمِ