سورة البقرة
القول في تأويل قوله تعالى: فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل يعني بقوله جل ثناؤه: فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا فإن كان المدين الذي عليه المال سفيها، يعني جاهلا بالصواب في الذي عليه أن يمله على
الْجَهْلُ. وَقَدْ يَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ: {فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا} [البقرة: 282] كُلُّ جَاهِلٍ بِصَوَابِ مَا يُمِلُّ مِنْ خَطَئِهِ مِنْ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، وَذَكَرٍ وَأُنْثَى، غَيْرَ أَنَّ الَّذِيَ هُوَ أَوْلَى بِظَاهِرِ الْآيَةِ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِهَا كُلُّ جَاهِلٍ بِمَوْضِعِ خَطَأِ مَا يُمِلُّ وَصَوَابِهِ مِنْ بِالِغِي الرِّجَالِ الَّذِينَ لَا يُوَلَّى عَلَيْهِمْ، وَالنِّسَاءِ؛ لِأَنَّهُ أَجَّلَ ذِكْرَهُ ابْتَدَأَ الْآيَةَ بِقَوْلِهِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} [البقرة: 282] وَالصَّبِيُّ وَمَنْ يُوَلَّى عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ مُدَايَنَتُهُ، وَأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدِ اسْتَثْنَى مِنَ الَّذِينَ أَمَرَهُمْ بِإِمْلَالِ كِتَابِ الدَّيْنِ مَعَ السَّفِيهِ الضَّعِيفَ وَمَنْ لَا يَسْتَطِيعُ إِمْلَالَهُ، فَفِي فَصْلِهِ جَلَّ ثناؤُهُ الضَّعِيفَ مِنَ السَّفِيهِ وَمَنْ لَا يَسْتَطِيعُ إِمْلَاءَ الْكِتَابِ فِي الصِّفَةِ الَّتِي وَصَفَ بِهَا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا أَنْبَأَ عَنْ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ بَيَّنَ اللَّهُ صَفَاتِهِمْ غَيْرُ الصَّنْفَيْنِ الْآخَرَيْنِ. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ الْمَوْصُوفَ بِالسَّفَهِ مِنْهُمْ دُونَ الضَّعْفِ هُوَ ذُو الْقُوَّةِ عَلَى الْإِمْلَالِ، غَيْرَ أَنَّهُ وُضِعَ عَنْهُ فَرْضُ الْإِمْلَالِ بِجَهْلِهِ بِمَوْضِعِ صَوَابِ ذَلِكَ مِنْ خَطَئِهِ، وَأَنَّ الْمَوْصُوفَ بِالضَّعْفِ مِنْهُمْ هُوَ الْعَاجِرُ عَنْ إِمْلَالِهِ وَإِنْ كَانَ شَدِيدًا رَشِيدًا إِمَّا لِعِيِّ لِسَانِهِ أَوْ خَرَسٍ بِهِ، وَأَنَّ الْمَوْصُوفَ بِأَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ الْمَمْنُوعُ مِنْ إِمْلَالِهِ، إِمَّا بِالْحَبْسِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ مَعَهُ عَلَى حُضُورِ الْكَاتِبِ الَّذِي يَكْتُبُ الْكِتَابَ فَيُمِلَّ عَلَيْهِ، وَإِمَّا لِغَيْبَتِهِ عَنْ مَوْضِعِ الْإِمْلَالِ فَهُوَ غَيْرُ قَادِرٍ مِنْ أَجْلِ غَيْبَتِهِ عَنْ إِمْلَالِ الْكِتَابِ. فَوَضَعَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَرْضَ إِمْلَالِ ذَلِكَ لِلْعِلَلِ الَّتِي وَصَفْنَا إِذَا كَانَتْ بِهِمْ، وَعَذَرَهُمْ بِتَرْكِ الِإْمِلَالِ مِنْ أَجْلِهَا، وَأَمَرَ عِنْدَ سُقُوطِ فَرْضِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَلِيَّ الْحَقِّ بِإِمْلَالِهِ فَقَالَ: {فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ