سورة آل عمران
القول في تأويل قوله تعالى: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون يعني بذلك جل ثناؤه: ألم تر يا محمد إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يقول: الذين أعطوا حظا من الكتاب، يدعون إلى كتاب الله.
هَذَا دُونَ هَذَا، وَلَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي دُعُوا إِلَيْهِ حَمَلَتُهُ هُوَ مِمَّا كَانَ فَرْضًا عَلَيْهِمُ الْإِجَابَةُ إِلَيْهِ فِي دِينِهِمْ، فَامْتَنَعُوا مِنْهُ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثناؤُهُ عَنْهُمْ بِرِدَّتِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ بِمَا فِي كِتَابِهِمْ وَجُحُودِهِمْ، مَا قَدْ أَخَذَ عَلَيْهِمْ عُهُودَهُمْ وَمَوَاثِيقَهُمْ بِإِقَامَتِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ، فَلَنْ يَعْدُوا أَنْ يَكُونُوا فِي تَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا وَمَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْحَقِّ مِثْلَهُمْ فِي تَكْذِيبِهِمْ مُوسَى وَمَا جَاءَ بِهِ، وَهُمْ يَتَوَلَّوْنَهُ وَيُقَرُّونَ بِهِ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: {ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ} [آل عمران: 23] ثُمَّ يَسْتَدْبِرُ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ الَّذِي دَعَا إِلَى حُكْمِهِ مُعْرِضًا عَنْهُ مُنْصَرِفًا، وَهُوَ بِحَقِيقَتِهِ وَحُجَّتِهِ عَالِمٌ. وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ ذَلِكَ الْكِتَابَ هُوَ التَّوْرَاةُ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا بِالْقُرْآنِ مُكَذِّبِينَ وَبِالتَّوْرَاةِ بِزَعْمِهِمْ مُصَدِّقِينَ، فَكَانَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ بِتَكْذِيبِهِمْ بِمَا هُمْ بِهِ فِي زَعْمِهِمْ مُقِرُّونَ أَبْلَغَ وَلِلْعُذْرِ أَقْطَعَ