سورة آل عمران
القول في تأويل قوله تعالى: وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: تأويل ذلك: أنه يخرج الشيء الحي من النطفة الميتة، ويخرج النطفة الميتة من الشيء الحي
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ، فَإِذَا بِامْرَأَةٍ حَسَنَةِ النِّعْمَةِ، فَقَالَ: «مَنْ هَذِهِ؟» قَالَتْ: إِحْدَى خَالَاتِكَ، قَالَ: «إِنَّ خَالَاتِي بِهَذِهِ الْبَلْدَةِ لَغَرَائِبَ وَأَيُّ خَالَاتِي هَذِهِ؟» قَالَتْ: خَلْدَةُ ابْنَةُ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ، قَالَ: «سُبْحَانَ الَّذِي يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ» وَكَانَتِ امْرَأَةٌ صَالِحَةً، وَكَانَ أَبُوهَا كَافِرًا \""|
|8268||سورة آل عمران||القول في تأويل قوله تعالى: وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: تأويل ذلك: أنه يخرج الشيء الحي من النطفة الميتة، ويخرج النطفة الميتة من الشيء الحي|
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ، قَالَ: ثنا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: {تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} [آل عمران: 27] قَالَ: \"" هَلْ عَلِمْتُمْ أَنَّ الْكَافِرَ يَلِدُ مُؤْمِنًا، وَأَنَّ الْمُؤْمِنَ يَلِدُ كَافِرًا؟ فَقَالَ: هُوَ كَذَلِكَ \"" [ص: 312] وَأَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِالصَّوَابِ تَأْوِيلُ مَنْ قَالَ: يُخْرِجُ الْإِنْسَانَ الْحَيَّ وَالْأَنْعَامَ وَالْبَهَائِمَ الْأَحْيَاءَ مِنَ النُّطَفِ الْمَيِّتَةِ، وَذَلِكَ إِخْرَاجُ الْحَيِّ مِنَ الْمَيِّتِ، وَيُخْرِجُ النُّطْفَةَ الْمَيِّتَةَ مِنَ الْإِنْسَانِ الْحَيِّ وَالْأَنْعَامِ وَالْبَهَائِمِ الْأَحْيَاءِ، وَذَلِكَ إِخْرَاجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ، وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ حَيٍّ فَارَقَهُ شَيْءٌ مِنْ جَسَدِهِ، فَذَلِكَ الَّذِي فَارَقَهُ مِنْهُ مَيِّتٌ، فَالنُّطْفَةُ مَيِّتَةٌ لِمُفَارَقَتِهَا جَسَدَ مَنْ خَرَجَتْ مِنْهُ، ثُمَّ يُنْشِئُ اللَّهُ مِنْهَا إِنْسَانًا حَيًّا وَبَهَائِمَ وَأَنْعَامًا أَحْيَاءً، وَكَذَلِكَ حُكْمُ كُلِّ شَيْءٍ حَيٍّ زَايَلَهُ شَيْءٌ مِنْهُ، فَالَّذِي زَايَلَهُ مِنْهُ مَيِّتٌ، وَذَلِكَ هُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة: 28] وَأَمَّا تَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَهُ بِمَعْنَى الْحَبَّةِ مِنَ السُّنْبُلَةِ، وَالسُّنْبُلَةِ مِنَ الْحَبَّةِ، وَالْبَيْضَةِ مِنَ الدَّجَاجَةِ، وَالدَّجَاجَةِ مِنَ الْبَيْضَةِ، وَالْمُؤْمِنِ مِنَ الْكَافِرِ، وَالْكَافِرِ مِنَ الْمُؤْمِنِ، فَإِنَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ مَفْهُومٌ، فَلَيْسَ ذَلِكَ الْأَغْلَبَ الظَّاهِرَ فِي اسْتِعْمَالِ النَّاسِ فِي الْكَلَامِ، وَتَوْجِيهُ مَعَانِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى الظَّاهِرِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي النَّاسِ أَوْلَى مِنْ تَوْجِيهِهَا إِلَى الْخَفِيِّ الْقَلِيلِ فِي الِاسْتِعْمَالِ. وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: {تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} [آل عمران: 27] بِالتَّشْدِيدِ وَتَثْقِيلِ الْيَاءِ مِنَ الْمَيِّتِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يُخْرِجُ الشَّيْءَ الْحَيَّ مِنَ الشَّيْءِ الَّذِي قَدْ مَاتَ، وَمِمَّا لَمْ يَمُتْ، وَقَرَأَتْ جَمَاعَةٌ أُخْرَى مِنْهُمْ: (تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيْتِ وَتُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْحَيِّ) بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ مِنَ الْمَيِّتِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يُخْرِجُ الشَّيْءَ الْحَيَّ مِنَ الشَّيْءِ الَّذِي قَدْ مَاتَ [ص: 313] دُونَ الشَّيْءِ الَّذِي لَمْ يَمُتْ، وَتُخْرِجُ الشَّيْءَ الْمَيِّتَ دُونَ الشَّيْءِ الَّذِي لَمْ يَمُتْ مِنَ الشَّيْءِ الْحَيِّ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَيِّتَ مُثَقَّلُ الْيَاءِ عِنْدَ الْعَرَبِ مَا لَمْ يَمُتْ وَسَيَمُوتُ وَمَا قَدْ مَاتَ، وَأَمَّا الْمَيْتُ مُخَفَّفًا: فَهُوَ الَّذِي قَدْ مَاتَ، فَإِذَا أَرَادُوا النَّعْتَ قَالُوا: إِنَّكَ مَائِتٌ غَدًا وَإِنَّهُمْ مَائِتُونَ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا لَمْ يَكُنْ بَعْدُ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ عَلَى هَذَا الْمِثَالِ الِاسْمُ مِنْهُ، يُقَالُ: هُوَ الْجَائِدُ بِنَفْسِهِ وَالطَّائِبَةُ نَفْسُهُ بِذَلِكَ، وَإِذَا أُرِيدُ مَعْنَى الِاسْمِ قِيلَ: هُوَ الْجَوَادُ بِنَفْسِهِ وَالطَّيِّبَةُ نَفْسُهُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ مَنْ شَدَّدَ الْيَاءَ مِنَ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثناؤُهُ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ النُّطْفَةِ الَّتِي قَدْ فَارَقَتِ الرَّجُلَ، فَصَارَتْ مَيِّتَةً، وَسَيُخْرِجُهُ مِنْهَا بَعْدَ أَنْ تُفَارِقَهُ وَهِيَ فِي صُلْبِ الرَّجُلِ، {وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} [يونس: 31] النُّطْفَةَ الَّتِي تَصِيرُ بِخُرُوجِهَا مِنَ الرَّجُلِ الْحَيِّ مَيِّتًا، وَهِيَ قَبْلَ خُرُوجِهَا مِنْهُ حَيَّةٌ، فَالتَّشْدِيدُ أَبْلَغُ فِي الْمَدْحِ , أَكْمَلُ فِي الثَّنَاءِ"