الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران: 39] يَعْنِي بِذَلِكَ: مُمْتَنِعًا مِنْ جِمَاعِ النِّسَاءِ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: حُصِرْتُ مِنْ كَذَا أُحْصَرُ: إِذَا امْتَنَعَ مِنْهُ؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: حُصِرَ فُلَانٌ فِي قِرَاءَتِهِ: إِذَا امْتَنَعَ مِنَ الْقِرَاءَةِ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ حُصِرَ الْعَدُوُّ: حَبَسَهُمُ النَّاسُ وَمَنَعَهُمْ إِيَّاهُمُ التَّصَرُّفَ، وَلِذَلِكَ قِيلَ لِلَّذِي لَا يَخْرُجُ مَعَ نُدَمَائِهِ شَيْئًا: حَصُورٌ، كَمَا قَالَ الْأَخْطَلُ:
[البحر البسيط]
[ص: 377] وَشَارِبٍ مُرْبِحِ بِالْكَأْسِ نَادَمَنِي
... لَا بِالْحَصُورِ وَلَا فِيهَا بِسَوَّارِ
وَيُرْوَى بَسَآّرِ، وَيُقَالُ أَيْضًا لِلَّذِي لَا يُخْرِجُ سِرَّهُ وَيَكْتُمُهُ: حَصُورٌ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ سِرَّهَ أَنْ يَظْهَرَ، كَمَا قَالَ جَرِيرٌ:
[البحر الكامل]
وَلَقَدْ تَسَقَّطَنِي الْوُشَاةُ فَصَادَفُوا
... حَصِرًا بِسِرِّكِ يَا أُمَيْمَ ضَنِينَا
وَأَصْلُ جَمِيعِ ذَلِكَ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْمَنْعُ وَالْحَبْسُ. وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ"