سورة آل عمران
القول في تأويل قوله تعالى: إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين يعني بقوله جل ثناؤه: إذ قالت الملائكة وما كنت لديهم إذ يختصمون، وما كنت لديهم أيضا إذ قالت الملائكة يا مريم إن
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: {إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ} [آل عمران: 45] قَالَ: «عِيسَى هُوَ الْكَلِمَةُ مِنَ اللَّهِ» وَأَقْرَبُ الْوُجُوهِ إِلَى الصَّوَابِ عِنْدِي الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ بَشَّرَتْ مَرْيَمَ بِعِيسَى عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِرِسَالَتِهِ وَكَلِمَتِهِ الَّتِي أَمَرَهَا أَنْ تُلْقِيَهَا إِلَيْهَا أَنَّ [ص: 408] اللَّهَ خَالِقٌ مِنْهَا وَلَدًا مِنْ غَيْرِ بَعْلٍ وَلَا فَحْلٍ، وَلِذَلِكَ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {اسْمُهُ الْمَسِيحُ} [آل عمران: 45] فَذَكَرَ، وَلَمْ يَقُلِ: اسْمُهَا، فَيُؤَنَّثُ وَالْكَلِمَةُ مُؤَنَّثَةٌ؛ لِأَنَّ الْكَلِمَةَ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِهَا قَصْدُ الِاسْمِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى فُلَانٍ، وَإِنَّمَا هِيَ بِمَعْنَى الْبِشَارَةِ، فَذُكِرَتْ كِنَايَتُهَا كَمَا تُذْكَرُ كِنَايَةُ الذُّرِّيَّةِ وَالدَّابَّةِ وَالْأَلْقَابِ، عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّاهُ قَبْلُ فِيمَا مَضَى. فَتَأْوِيلُ ذَلِكَ كَمَا قُلْنَا آنِفًا، مِنْ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِبُشْرَى، ثُمَّ بَيَّنَ عَنِ الْبُشْرَى، أَنَّهَا وَلَدٌ اسْمُهُ الْمَسِيحُ. وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ أَنَّهُ إِنَّمَا ذَكَرَ فَقَالَ: {اسْمُهُ الْمَسِيحُ} [آل عمران: 45] وَقَدْ قَالَ: {بِكَلِمَةٍ مِنْهُ} [آل عمران: 45] وَالْكَلِمَةُ عِنْدَهُ: هِيَ عِيسَى؛ لِأَنَّهُ فِي الْمَعْنَى كَذَلِكَ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثناؤُهُ: {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا} ثُمَّ قَالَ: {بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا} [الزمر: 59] وَكَمَا يُقَالُ: ذُو الثُّدَيَّةِ؛ لِأَنَّ يَدَهُ كَانَتْ قَصِيرَةً قُرَيْبَةً مِنْ ثَدْيَيْهِ فَجَعَلَهَا كَأَنَّ اسْمَهَا ثَدْيَةٌ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ تَدْخُلِ الْهَاءُ فِي التَّصْغِيرِ. وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ نَحْوَ قَوْلِ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ، فِي أَنَّ الْهَاءَ مِنْ ذِكْرِ الْكَلِمَةِ، وَخَالَفَهُ فِي الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ ذَكَرَ قَوْلَهُ {اسْمُهُ} [آل عمران: 45] وَالْكَلِمَةُ مُتَقَدِّمَةٌ قَبْلَهُ، فَزَعَمَ أَنَّهُ إِنَّمَا قِيلَ اسْمُهُ، وَقَدْ قُدِّمَتِ الْكَلِمَةُ، وَلَمْ يَقُلْ اسْمَهَا؛ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ أَنْ تَفْعَلَ ذَلِكَ فِيمَا كَانَ مِنَ النُّعُوتِ وَالْأَلْقَابِ وَالْأَسْمَاءِ الَّتِي لَمْ تُوضَعْ لِتَعْرِيفِ الْمُسَمَّى بِهِ كِفْلَانٍ وَفُلَانٍ، وَذَلِكَ مِثْلُ الذُّرِّيَّةِ وَالْخَلِيفَةِ وَالدَّابَّةِ، وَلِذَلِكَ جَازَ عِنْدَهُ أَنْ يُقَالَ: ذُرِّيَّةً طَيَّبَةً، وَذُرِّيَّةً طَيِّبًا؛ وَلَمْ [ص: 409] يَجُزْ أَنْ يُقَالَ: طَلْحَةُ أَقْبَلَتْ، وَمُغِيرَةُ قَامَتْ، وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمُ اعْتِلَالَ مَنِ اعْتَلَّ فِي ذَلِكَ بِذِي الثُّدَيَّةِ، وَقَالُوا: إِنَّمَا أُدْخِلَتِ الْهَاءُ فِي ذِي الثُّدَيَّةِ؛ لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِذَلِكَ الْقِطْعَةُ مِنَ الثَّدْيِ، كَمَا قِيلَ: كُنَّا فِي لَحْمَةٍ وَنَبِيذَةٍ، يُرَادُ بِهِ الْقِطْعَةُ مِنْهُ، وَهَذَا الْقَوْلُ نَحْوَ قَوْلِنَا الَّذِي قُلْنَاهُ فِي ذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: {اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ} [آل عمران: 45] فَإِنَّهُ جَلَّ ثناؤُهُ أَنْبَأَ عِبَادَهُ عَنْ نِسْبَةِ عِيسَى، وَأَنَّهُ ابْنُ أُمِّهِ مَرْيَمَ، وَنَفَى بِذَلِكَ عَنْهُ مَا أَضَافَ إِلَيْهِ الْمُلْحِدُونَ فِي اللَّهِ جَلَّ ثناؤُهُ مِنَ النَّصَارَى، مِنْ إِضَافَتِهِمْ بُنَوَّتَهُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَا قُذِفَتْ أُمُّهُ بِهِ الْمُفْتَرِيَةُ عَلَيْهَا مِنَ الْيَهُودِ"