سورة آل عمران
القول في تأويل قوله تعالى: فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون يعني بقوله جل ثناؤه: فلما أحس عيسى منهم الكفر فلما وجد عيسى منهم الكفر، والإحساس: هو الوجود، ومنه قول الله عز وجل:
هَلْ مَنْ بَكَى الدَّارَ رَاجٍ أَنْ تُحِسَّ لَهُ ... أَوْ يَبْكِيَ الدَّارَ مَاءُ الْعَبْرَةِ الْخَضِلُ
يَعْنِي بِقَوْلِهِ: أَنْ تُحِسَّ لَهُ: أَنْ تَرِقَّ لَهُ. فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: فَلَمَّا وَجَدَ عِيسَى مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ أَرْسَلَهُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ جُحُودًا لِنُبُوَّتِهِ، وَتَكْذِيبًا لِقَوْلِهِ، وَصَدًّا عَمَّا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، قَالَ: {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} [آل عمران: 52] يَعْنِي بِذَلِكَ: قَالَ عِيسَى: مَنْ أَعْوَانِي عَلَى الْمُكَذِّبِينَ بِحُجَّةِ اللَّهِ، وَالْمُوَلِّينَ عَنْ دِينِهِ، وَالْجَاحِدِينَ نُبُوَّةَ نَبِيِّهِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ {إِلَى اللَّهِ} [البقرة: 275] مَعَ اللَّهِ، وَإِنَّمَا حَسُنَ أَنْ يُقَالَ إِلَى اللَّهِ، بِمَعْنَى: مَعَ اللَّهِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ إِذَا ضَمُّوا الشَّيْءَ إِلَى غَيْرِهِ، ثُمَّ أَرَادُوا الْخَبَرَ عَنْهُمَا بِضَمِّ أَحَدِهِمَا مَعَ الْآخَرِ إِذَا ضُمَّ إِلَيْهِ جَعَلُوا مَكَانَ مَعَ إِلَى أَحْيَانًا، وَأَحْيَانًا تُخْبِرُ عَنْهُمَا بِ «مَعَ» فَتَقُولُ: الذُّودُ إِلَى الذُّودِ إِبِلٌ، بِمَعْنَى: إِذَا ضَمَمْتَ الذُّودَ إِلَى الذُّودِ صَارَتْ إِبِلًا، فَأَمَّا إِذَا كَانَ الشَّيْءُ مَعَ الشَّيْءِ لَمْ يَقُولُوهُ بِ «إِلَى» وَلَمْ يَجْعَلُوا مَكَانَ مَعَ إِلَى غَيْرَ جَائِزٍ أَنْ يُقَالَ: قَدِمَ فُلَانٌ وَإِلَيْهِ مَالٌ، بِمَعْنَى: وَمَعَهُ مَالٌ. وَبِمِثْلِ مَا قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} [آل عمران: 52] قَالَ جَمَاعَةٌ"