الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران: 103] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: وَتَعَلَّقُوا بِأَسْبَابِ اللَّهِ جَمِيعًا. يُرِيدُ بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَتَمَسَّكُوا بِدِينِ اللَّهِ الَّذِي أَمَرَكُمْ بِهِ، وَعَهْدِهِ الَّذِي عَهِدَهُ إِلَيْكُمْ فِي كِتَابِهِ إِلَيْكُمْ مِنَ الْأُلْفَةِ وَالِاجْتِمَاعِ عَلَى كَلِمَةِ الْحَقِّ وَالتَّسْلِيمِ لِأَمْرِ اللَّهِ. وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى قَبْلُ عَلَى مَعْنَى الِاعْتِصَامِ وَأَمَّا الْحَبْلُ، فَإِنَّهُ السَّبَبُ الَّذِي يُوصَلُ بِهِ إِلَى الْبُغْيَةِ وَالْحَاجَةِ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الْأَمَانُ حَبْلًا، لِأَنَّهُ سَبَبٌ يُوصَلُ بِهِ إِلَى زَوَالِ الْخَوْفِ وَالنَّجَاةِ مِنَ الْجَزَعِ وَالذُّعْرِ، وَمِنْهُ قَوْلُ أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَةَ:
[البحر الكامل]"