سورة آل عمران
القول في تأويل قوله تعالى: يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون يعني بذلك جل ثناؤه: أولئك لهم عذاب عظيم في يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، وأما
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ، عَنْ عَبَّادٍ، عَنِ الْحَسَنِ: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} [آل عمران: 106] الْآيَةَ، قَالَ: «هُمُ الْمُنَافِقُونَ كَانُوا أَعْطُوا كَلِمَةَ الْإِيمَانِ بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَأَنْكَرُوهَا بِقُلُوبِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ» وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ عَنَى بِذَلِكَ جَمِيعَ الْكُفَّارِ، وَأَنَّ الْإِيمَانَ الَّذِي يُوَبَّخُونَ عَلَى ارْتِدَادِهِمْ عَنْهُ، هُوَ الْإِيمَانُ الَّذِي أَقَرُّوا بِهِ يَوْمَ قِيلَ لَهُمْ: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا} [الأعراف: 172] وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثناؤُهُ جَعَلَ جَمِيعَ أَهْلِ الْآخِرَةِ فَرِيقَيْنِ: أَحَدُهُمَا سَوْدَاءُ وُجُوهُهُ، وَالْآخَرُ بَيْضَاءُ وُجُوهُهُ، فَمَعْلُومٌ إِذْ لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ إِلَّا هَذَانِ الْفَرِيقَانِ أَنَّ جَمِيعَ الْكُفَّارِ دَاخِلُونَ فِي فَرِيقِ مَنِ سُوِّدَ وَجْهُهُ، وَأَنَّ جَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ دَاخِلُونَ فِي فَرِيقِ مَنْ بُيِّضَ وَجْهُهُ، فَلَا وَجْهَ إِذًا لِقَوْلِ قَائِلٍ عَنَى بِقَوْلِهِ: {أَكَفَرْتُمْ [ص: 667] بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [آل عمران: 106] بَعْضُ الْكُفَّارِ دُونَ بَعْضٍ، وَقَدْ عَمَّ اللَّهُ جَلَّ ثناؤُهُ الْخَبَرَ عَنْهُمْ جَمِيعِهِمْ، وَإِذَا دَخَلَ جَمِيعُهُمْ فِي ذَلِكَ ثُمَّ لَمْ يَكُنْ لِجِمِيعِهِمْ حَالَةٌ آمَنُوا فِيهَا، ثُمَّ ارْتَدُّوا كَافِرِينَ بَعْدُ إِلَّا حَالَةٌ وَاحِدَةٌ، كَانَ مَعْلُومًا أَنَّهَا الْمُرَادَةُ بِذَلِكَ. فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا: أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ فِي يَوْمٍ تَبْيَضُّ وُجُوهُ قَوْمٍ، وَتَسْوَدُّ وُجُوهُ آخَرِينَ؛ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ، فَيُقَالُ: أَجَحَدْتُمْ تَوْحِيدَ اللَّهِ وَعَهْدَهُ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقْتُمُوهُ عَلَيْهِ، بِأَنْ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَتُخْلِصُوا لَهُ الْعِبَادَةَ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ، يَعْنِي: بَعْدَ تَصْدِيقِكُمْ بِهِ {فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} [آل عمران: 106] يَقُولُ: بِمَا كُنْتُمْ تُجْحَدُونَ فِي الدُّنْيَا مَا كَانَ اللَّهُ قَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ بِالْإِقْرَارِ بِهِ وَالتَّصْدِيقِ. وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ مِمَّنْ ثَبَتْ عَلَى عَهْدِ اللَّهِ وَمِيثَاقِهِ، فَلَمْ يُبَدِّلْ دِينَهُ، وَلَمْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِالتَّوْحِيدِ، وَالشَّهَادَةِ لِرَبِّهِ بِالْأُلُوهَةِ، وَأَنَّهُ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ {فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ} [آل عمران: 107] يَقُولُ: فَهُمْ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ، يَعْنِي فِي جَنَّتِهِ وَنَعِيمِهَا، وَمَا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَهْلِهَا فِيهَا، {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [آل عمران: 107] أَيْ بَاقُونَ فِيهَا أَبَدًا بِغَيْرِ نِهَايَةٍ وَلَا غَايَةٍ"