سورة آل عمران
القول في تأويل قوله تعالى: فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين يعني تعالى ذكره بقوله: فاعف عنهم فتجاوز يا محمد عن تباعك وأصحابك من المؤمنين بك، وبما جئت به من عندي، ما نالك من أذاهم ومكروه في نفسك
مَنْ لَمْ تَكُنْ بَصِيرَتُهُ بِالْإِسْلَامِ الْبَصَيْرَةَ الَّتِي يُؤْمِنُ عَلَيْهِ مَعَهَا فِتْنَةُ الشَّيْطَانِ، وَتَعْرِيفًا مِنْهُ أُمَّتَهُ مَا فِي الْأُمُورِ الَّتِي تَحْزُبُهُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَمَطْلَبَهَا، لِيَقْتَدُوا بِهِ فِي ذَلِكَ عِنْدَ النَّوَازِلِ الَّتِي تَنْزِلُ بِهِمْ، فَيَتَشَاوَرُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ، كَمَا كَانُوا يَرَوْنَهُ فِي حَيَاتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهُ، فَأَمَّا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ يُعَرِّفُهُ مَطَالِبَ وُجُوهِ مَا حَزَبَهُ مِنَ الْأُمُورِ بِوَحْيِهِ أَوْ إِلْهَامِهِ إِيَّاهُ صَوَابَ ذَلِكَ. وَأَمَّا أُمَّتُهُ، فَإِنَّهُمْ إِذَا تَشَاوَرُوا مُسْتَنِّينَ بِفِعْلِهِ فِي ذَلِكَ عَلَى تَصَادُقٍ وَتَأخٍّ لِلْحَقِّ وَإِرَادَةِ جَمِيعِهِمْ لِلصَّوَابِ، مِنْ غَيْرِ مَيْلٍ إِلَى هَوًى، وَلَا حَيْدٍ عَنْ هُدًى؛ فَاللَّهُ مُسَدِّدُهُمْ وَمُوَفِّقُهُمْ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [آل عمران: 159] فَإِنَّهُ يَعْنِي: فَإِذَا صَحَّ عَزْمُكَ بِتَثْبِيتِنَا إِيَّاكَ وَتَسْدِيدِنَا لَكَ فِيمَا نَابَكَ وَحَزَبَكَ مِنْ أَمْرِ دِينِكَ وَدُنْيَاكَ، فَامْضِ لِمَا أَمَرْنَاكَ بِهِ عَلَى مَا أَمَرْنَاكَ بِهِ، وَافَقَ ذَلِكَ آرَاءَ أَصْحَابِكَ وَمَا أَشَارُوا بِهِ عَلَيْكَ أَوْ خَالَفَهَا، وَتَوَكَّلْ فِيمَا تَأْتِي مِنْ أُمُورِكَ وَتَدَعُ وَتُحَاوِلُ أَوْ تُزَاوِلُ عَلَى رَبِّكَ، فَثِقْ بِهِ فِي كُلِّ ذَلِكَ، وَارْضَ بِقَضَائِهِ فِي جَمِيعِهِ دُونَ آرَاءِ سَائِرِ خَلْقِهِ وَمَعُونَتِهِمْ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ، وَهُمُ الرَّاضُونَ بِقَضَائِهِ، وَالْمُسْتَسْلِمُونَ لِحُكْمِهِ فِيهِمْ، وَافَقَ ذَلِكَ مِنْهُمْ هَوًى أَوْ خَالَفَهُ